دراسة نقدية لبرهان الحرکة

برهان الحرکة هو احد البراهين المستخدمة لاثبات وجود الله من خلال تتبع الحرکة في عالم الوجود.
نسب هذا البرهان في المصادر الفلسفية إلي ارسطو1، واعتبر منهج الفلاسفة الطبيعيين قبال الفلاسفة المتألهين.2
البيان العام للبرهان هو کما يلي:
تحتاج الحرکات الموجودة في عالم الوجود إلي فاعل لحدوثها، وما دامت الحرکة باقية، تبقي هذه الحاجة قائمة، وإن کان فاعل الحرکة متحرک أيضاً، فسوف يحتاج بدوره إلي محرک آخر، حتي نصل (بناء علي امتناع الدور والتسلسل) إلي محرک غير متحرک، يدعي المحرک الأول.3
يفصّل هذا البرهان في أفقي العلة الفاعلية والغائية، حيث يقرر کما يلي:
الحرکة بمعني الانتقال التدريجي من الاستعداد إلي الفعلية4، تحتاج إلي علة فاعلية وغائية. إذن کل متحرک في أفق العلة الفاعلية يحتاج إلي فاعل محرّک وغير متحرّک، کما يحتاج في أفق العلة الغائية إلي هدف ومقصود يتحرک نحوه، وقد يکون هذا الهدف متحرکاً نحو هدف آخر. وفي الختام ينبغي أن تنتهي سلسة الأهداف هذه إلي الکمال المطلق.5
قد يتم تبيين برهان الحرکة في أفق العلة الفاعلية والغائية کليهما، بناء علي مطلق الحرکة في الأجسام، أو بناء علي الحرکة التکاملية للنفس الإنسانية، أو بناء علي حرکة الأفلاک في منظومة علم الأفلاک الفلسفي.6
يبدو أن ابن سينا هو من أدخل هذا البرهان إلي الفلسفة الإسلامية7، ونظراً لتناغمه مع ايدئولوجية المتکلمين حظي باحتفاء واسع من قبلهم.8
غير أنه واجه مشکلة جذرية مع المنظومة الفلسفية، وهي أن الحرکة عند المشائيين لا تحدث إلا في عوارض الأجسام، أما ذات الأجسام فيعد ثابتاً. إذن يمکن اعتبار الجسم أو الصورة الجسمية المحرک الأول في إطار برهان الحرکة. وفي هذه الحالة، لا يمکن نقض ازلية عالم المادة، وتبعاً له
إما أن نقر بقدم عالم المادة، أو نسحب الحرکة والحدوث علي ذات الباري تعالي.9
وقد عالجت نظرية الحرکة الجوهرية لصدر المتألهين هذه الاشکالية الجذرية باعتبارها حرکة عوارض الأجسام نابعة من ذاتها، فالأجسام في ذاتها تحتاج إلي محرک أيضاً.10
علي الرغم من ذلک، لم تتمکن نظرية الحرکة الجوهرية من تقديم الکثير لبرهان الحرکة، إذ البرهان بنفسه بحاجة إلي ملحقين لإثبات واجب الوجود، هما ((استحالة التسلسل)) و((برهان الامکان والوجوب))، وهو برهان مستقل.
کل الذي قدمته نظرية الحرکة الجوهرية، هو توسيع دائرة شمول برهان الحرکة، بحيث أخرجته من قبضة عالم المادة وأعانته علي إثبات لزوم ارتباط عالم المادة بعالم المجردات.11 وقد أصبح ذلک أهم عامل لإهمال هذا البرهان في المصادر الفلسفية، کما بعض مصادر الکلام.
أول من طبّق بعض الآيات القرآنية صراحة علي هذا البرهان (الانعام/ 6، 75 ـ 79) هو صدر المتألهين. وإن سعي الفخر الرازي من قبل للوصول إلي صيغة من صيغ برهان الحرکة من خلال مفهوم الخلق القرآني. فقد توصل إلي الحرکة الأولي بناء علي امتناع الحرکة الأزلية، ومن ثم اعتبرها مرادفة لمفهوم الخلق.12
تنقل سورة الانعام/ 6 من الأية 75 إلي 79 حوار النبي ابراهيم (ع) مع البابليين: ((وَ كَذَالِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ))، ثم نجد ابراهيم (ع) يعد مغيب بعض الآلهة المدعاة وأفولها دليلاً علي نفي ربوبيتها: ((فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا قَالَ هَاذَا رَبىّ‏ِ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الاَْفِلِينَ(76) فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَاذَا رَبىّ‏ِ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئنِ لَّمْ يهَْدِنىِ رَبىّ‏ِ لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ(77) فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَاذَا رَبىّ‏ِ هَاذَا أَكْبرَُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنىّ‏ِ بَرِى‏ءٌ مِّمَّا تُشرِْكُونَ)). وبعد تجاوز هذه المراحل، يتوجه لله الواحد، وينکر ربوبية ما سواه: ((إِنىّ‏ِ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفًا وَ مَا أَنَا مِنَ الْمُشرِْكِينَ)). (الانعام/ 6، 79).
لا نجد تطبيق هذه الآيات علي برهان الحرکة في أي من التفاسير حتي عند صدر المتألهين، بل نجدها تسعي لاستنباط برهان الحدوث والقدم من هذه الآيات، وقد استخدمت في بعض الأحيان مقدمات من برهان الحرکة، لصياغة برهان الحدوث والقدم في ذيل هذه الآيات.13
صوّر صدر المتألهين في کتابي الأسفار14 والمبدأ والمعاد15 ببيان مقتضب، أنّ هذا المنهج للوصول إلي الله، هو برهان الحرکة. وقد طبّق آخرون هذه الآيات علي برهان الحرکة بعد صدر المتألهين، متأثرين برأيه. لکن تعرّض هذا الأمر للنقد في الغالب، وقد استهدف هذا النقد فائدة هذا البرهان أحياناً، واستنباطه من هذه الآيات أحياناً أخري.16
وقد قيل في أمثال هذه الاستنباطات من القرآن، أنه نظراً لظروف نزول القرآن في مجتمع عربي بعيد عن السجالات الکلامية والفلسفية، تستبعد دلالة هذه الآيات علي أمثال هذه البراهين.17
من ناحية أخري، يعکس تحليل مضمون قصة ابراهيم، أنه لم يحاجج منکري وجود الخالق حتي يحتاج إلي إثباته، بل کان يجادل من يؤمن بالخالق، لکنه أخطأ في المصداق أو نسب بعض صفاته إلي موجودات أخري. بعبارة أخري، وعلي حد تعبير المتکلمين، يمکننا القول أن ابراهيم سعي لإثبات التوحيد الربوبي، لا واجب الوجود.18
إضافة للآيات التي تطرقت إلي محاججة ابراهيم للبابليين، يعد صدر المتألهين ابداء الآيات الإلهية في الآفاق والأنفس: ((سَنرُِيهِمْ ءَايَاتِنَا فىِ الاَْفَاقِ وَ فىِ أَنفُسِهِمْ حَتىَ‏ يَتَبَينَ‏َ لَهُمْ أَنَّهُ الحَْقُّ)) (فصلت/ 41، 53) اشارة إلي الطرق التي يعرف بها الله وصفاته بغيره، کالامکان للماهية، والحدوث للخلق، والحرکة للجسم، و… .19
يستند السبزواري في بيان برهان الحرکة إلي آيات من قبيل: ((وَ لِكلُ‏ٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا)) (البقرة/ 2، 148) و((مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُ بِنَاصِيَتهَِا)) (هود/ 11، 56)، والتي تتحدث عن قدرة الله التامة علي جميع الموجودات، وتحديد مصيرها. وقد استخدمت هذه الآيات في صياغة برهان الحرکة في أفق العلة الغائية فقط.20
وقد طبّقت بعض الآيات الأخري علي الحرکة الجوهرية، وارتباطها بهذا الموضوع من حيث اعتبارها مقدمة لبرهان الحرکة. من أهم تلک الآيات، الآية 88 من سورة النمل/ 27، والتي تتکلم بوضوح عن حرکة الجبال: ((وَ تَرَى الجِْبَالَ تحَْسَبهَُا جَامِدَةً وَ هِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ)) (النمل/ 27، 88)، أو الآيات التي تتکلم عن رجوع جميع الخليقة إلي الله سبحانه وتعالي: ((وَ تَقَطَّعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ)) (الانبياء/ 21، 93)، أو الآيات التي تصف الله في حال الخلق والابداع في کل آن: ((يَسَْلُهُ مَن فىِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ كلُ‏َّ يَوْمٍ هُوَ فىِ شَأْنٍ)) (الرحمن/ 55، 29).21

1. شوارق الإلهام، صص494 و495؛ الالهيات، ص74.
2. الاشارات والتنبيهات، ج3، ص66؛ المباحث المشرقية، ج2، ص451؛ نهايةالحكمة، ص‏271.
3. الاشارات والتنبيهات، ج3، ص66؛ الأسفار، ج6، ص43؛ المبدأ والمعاد، ص‏16؛ شرح‏المنظومة، ج‏3، ص‏507.
4. الأسفار، ج3، صص39 و40؛ نهاية الحکمة، ص254.
5. مفاتيح الغيب، ج1، صص329 و330؛ أسرار الحکم، ج1، صص9 و10؛ الشواهد الربوبية، ج‏1، ص‏45.
6. الأسفار، ج3، صص38 ـ 40؛ ج6، صص42 ـ 44؛ شوارق الإلهام، صص494 و495؛ شرح المنظومة، ج3، صص507 ـ 509.
7. الشفاء، صص335 ـ 400.
8. المباحث المشرقية، ج2، ص451؛ شرح باب حادي عشر، صص49 ـ 55.
9. انظر: الشفاء، صص335 ـ 400.
10. الأسفار، ج6، ص44.
11. شوارق الإلهام، ص495.
12. التفسير الکبير، ج19، ص223.
13. مجمع البيان، ج3، ص502؛ التفسير الکبير، ج13، ص52؛ روح المعاني، مج5، ج7، ص294.
14. الأسفار، ج6، صص43 و44.
15. المبدأ والمعاد، ص23.
16. مفاهيم القرآن، ج1، ص139 ـ 143.
17. تفسير المنار، ج7، صص559، 572 و573.
18. مفاهيم القرآن، ج1، ص140 و141.
19. الأسفار، ج6، ص14؛ المشاعر، ص‏68.
20. ن. م، صص42 و43.
21. الميزان، ج15، ص402؛ الامثل في تفسير کتاب الله المنزل، ج17، ص404.

المصادر
ـ أسرار الحکم، هادي السبزواري (بإهتمام ابراهيم ميانجي)، طهران: کتابفروشي اسلامية، 1362ش.
ـ الاشارات والتنبيهات، حسين ابن سينا، ط1، قم، نشر البلاغة، 1375ش.
ـــ الالهيات، جعفر السبحاني، ط1، بيروت: الدار الاسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، 1409ﻫ.
ـــ الامثل في تفسير کتاب الله المنزل، ناصر مکارم شيرازي، قم: مدرسة الامام علي بن ابي طالب، 1421ﻫ.
ـ التفسير الکبير، محمد عمر الفخر الرازي، ط4، قم: انتشارات دفتر تبليغات اسلامي، 1413ﻫ.
ـ الحکمة المتعالية، في الاسفار العقلية الاربعة، صدر المتألهين الشيرازي، ط3، بيروت، دار احياء التراث العربي، 1987م.
ـ الشفاء (الهيات)، ابن سينا، بإهتمام الاب قنواتي، قم، مکتبة السيد المرعشي، 1405ﻫ.
ـ المباحث المشرقية، فخر الدين الرازي، بإهتمام محمد المعتصم بالله البغدادي، بيروت، دار الکتاب العربي، 1990م.
ـ المبدء والمعاد، صدر المتألهين الشيرازي، ط1، بيروت، دار الهادي، 1420ﻫ.
ـ الميزان في تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي، ط3، بيروت، اعلمي، افست، قم، انتشارات اسلامي، 1393ﻫ.
ـ تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ط4، القاهرة: دار المنار، 1373ﻫ، ط2، بيروت: دار المعرفة.
ـ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، محمود الآلوسي، بإهتمام محمد حسين عرب، ط1، بيروت، دار الفکر، 1417ﻫ.
ـ شرح الباب الحادي عشر،
ـ شرح المنظومة، هادي السبزواري، بي جا، بي نا، بي تا.
ـ شوارق الإلهام في شرح تجريد الکلام، عبد الرزاق اللاهيجي، اصفهان، انتشارات مهدوي.
ـ مجمع البيان في تفسير القرآن، فضل بن الحسن الطبرسي، بيروت، دار المعرفة، طهران، ناصر خسرو، 1406ﻫ.
ـ مشاعر، صدر المتألهين الشيرازي، تصحيح: هانري کاربون، ط2، مکتبة طهوري، 1363ش.
ـ مفاتيح الغيب، صدر المتألهين الشيرازي، طهران، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنکي انجمن اسلامي حکمت وفلسفة ايران، 1363ش.
ـ مفاهيم القرآن في معالم الحکومة، جعفر السبحاني، بإهتمام جعفر الهادي، ط4، قم، مؤسسة الامام الصادق، 1413ﻫ.
ـ نهاية الحکمة، محمد حسين الطباطبائي، بإهتمام عباس علي الزارعي، ط15، قم، النشر الاسلامي، 1420ﻫ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *