تحديث الدراسات الاسلامية: الرؤية – المقاربة – المنهج

نسمع في الآونة الاخيرة و خصوصا بعد ظهور ما يسمي بالارهاب الاسلامي دعوات کثيرة لاصلاح المناهج التعليمية في الدراسات الاسلامية و لکن هذه الدعوات عادة ما تكون بسيطة و ساذجة في طرحها للموضوع و استيعابها للمشکلة و حلولها المقترحة. فاصحاب هذه الدعوات يکتفون بالدعوة لحذف بعض العناوين من قبيل موضوع الجهاد و العنف من الدراسات الاسلامية و تربية الجيل الجديد علي اسس المساوات و المحبة و الي غير ذلک. و لکن المشکلة الحقيقية لا تكمن في وجود ابحاث من قبيل مباحث کالجهاد و العقوبات الجسدية و غير ذلک في تراثنا و نصوصنا المقدسة؛ فنحن نعلم ان مثل هذه المباحث موجودة في کثير من الاديان بما فيها المسيحية التي اشتهرت بدين المحبة و کذلک في اديان اخري. المشکلة الحقيقية هي في کيفية تناول و معالجة هذه النصوص و فهمها و هذا يرجع الي نظرتنا تجاه النص و كيفية تعاملنا المعرفي معه و اساليبنا في فهمه و معالجته منهجيا.
تعاني الدراسات الاسلامية من أزمة منهجية في المجتمعات الاسلامية. فقد دخلت هذه الدراسات الي الجامعات و تاثرت بالطابع الشکلي للدراسات الآکاديمية فخصصت لدارستها مواد معينة و عيّنت لکل مادة وحدات كما أنّ البحوث تقدم في غرف و صالات حديثة التصميم و الطلاب يجلسون علي الکراسي و يستخدمون الحاسوب و … و لکن لم يحدث تطوير او تغيير في مناهج البحث و کيفية التعامل مع النص و اخضاعه للدراسة و البحث. فهناک تطور عظيم ظهر في الغرب في مجال دراسة النصوص التاريخية و منها الدينية و هناک اتجاهات و مدارس عديدة توازي کل التطور الهائل الذي ظهر في المجالات الأخري في الغرب و لکن لم نجد اثراً لذلک في حيز الواقع في کليات الشريعة و الفروع القريبة منها في الجامعات الاسلامية.

تمهيد تاريخي
دراسة النصوص الدينية و تفسيرها و الاستنباط منها ظهر بين الشعوب الاسلامية منذ فترة التدوين و الکتابة. کان العرب في عصر البعثة يعيشون حضارة شفهية لم يمتلکوا الکتاب کاداة حضارية للتواصل و ادارة الحياة الاجتماعية1 و کانوا يتمنون ان يحصلوا علي کتاب کما کان ذلک لاهل الکتاب.2 فلما حصلوا علي القرآن رأوا انفسهم قادرين علي التنافس مع الشعوب الاخري و انتاج حضارة عالمية کما کان ذلک لبعض الشعوب المحيطة بهم3 و لکن سرعان ما علموا انهم بحاجة الي ادوات معرفية لانتاج علوم و حضارة و هم يفتقرون الي ابسطها و هي الحروف و العلامات ناهيک عن المفاهيم و المناهج و الرؤي و غير ذلک. فالتجأوا الي اصحاب الحضارات الأخري ليستعيروا منهم کل ذلک. فظهرت الکتابة بالفارسية و الرومية في کتابة الديوان و غيره4 و بدأوا يراجعون اهل الکتاب من اليهود و النصاري و غيرهم ليسألوهم عن بعض ما اشکل عليهم في فهم القرآن و کيفية تداول هذا النص.5 استمرت عملية الاخذ و الاستعارة من اليونان و السريان و الفرس و اليهود و .. الي ان ظهرت حرکة واسعة قادها جمع من المترجمين و کان اغلبهم من غير المسلمين ساهمت في تاسيس ما نسميها بالحضارة الاسلامية.6
هذه الحرکة الجبارة و لو انها ظهرت في بداياتها علي يد بعض الصحابة و التابعين و کانت في خدمة القرآن و الاسلام7 و لکن سرعان ما ظهر جيل جديد لا يهتم بالقرآن و الاسلام في متناوله العلوم و المعارف البشرية فظهرت جماعات کانوا غالبا من غير المسلمين او غير المهتمين بالنصوص الدينية من المسلمين کالفلاسفة القدامي، فاستقلّت عن القرآن و بل في کثير من الاحيان اصبحت معارضة للقرآن و النصوص الاسلامية.8 فبدأت صرخات من اتباع النصوص الدينية لمناهضة الافکار المستوردة فقسم حاول ادماج تلک الافکار داخل الاطار الاسلامي و استخدامها لصالح القرآن و تغييرها بادوات لفهم القرآن بدل ان تکون ادوات لنقض القرآن9 و قسم آخر رأي ان الحل هو في الرجوع الي السلف و مسح و حذف کل ما دخل من خارج القرآن و السنة.10 فکان النصر و النجاح في النهاية لاصحاب هذا الاتجاه بکلتا شقّيه و سرعان ما قاموا بقتل و تشريد من کانوا يسمونهم بالزنادقة و حرق کتبهم و استئصال افکارهم فما بقي من تراثهم غير بعض العناوين لکتبهم و تقارير مختصرة عن افکارهم جاءت غالبا في سياق رد و ابطال الشبهات. فاصبحت الحضارة الاسلامية حضارة نصّ و کل ما هو خارج النص فليس الا مقدمة له و اداة لفهمه و تفسيره و نحن نعيش دائما داخل النص لا نخرج منه الا لمدة قصيرة لنأتي بما يحتاجه11 فکانت النتيجة ان النقد الذي اصبح في العصر الحديث مدار المعرفة و البحث العلمي غاب تماما عنا.

تجديد الرؤية
دراسة الدين و النصوص المقدسة في الماضي کانت من مهامّ علم اللاهوت و کان حکرا علي المؤسسة الکنهوتية في کل ديانة فکانت تنظم و تأطّر بشکل مباشر او غير مباشر هذه الدراسات. و لکن التطورات التي ظهرت في مجال الابستيمولوجيا و فلسفة العلم في العصر الحديث غير الکثير في مجالات واسعة من الفکر البشري و خاصة في دراسة الظاهرة الدينية و النصوص المقدسة.
انّ اللاهوت القديم کان يعيش النصّ و يتناوله کحقيقة ثابتة مهيمنة علي العالم کلّه و يري نفسه شئ داخل هذا النص و لا يشاهد فجوة بينه و بين النص فالواجب عليه ان يفهمه و يبني علي اساسه المعرفة. فالنصّ کان يفهم بشکل طبيعي و لا احد يري مشکلة في فهمه للنص و لا يري حاجة في ان يدرس ظاهرة فهم النصّ کموضوع للبحث و الفهم.
ابستمولوجيا کانط کانت نقطة انطلاق لمنهج جديد في دراسة النصّ و تناوله. بحث کانط ظاهرة الفهم و کيفية تحققه في الذهن فاستکشف مقولات مهيمنة علي الذهن تضيف من نفسها الکثير في عملية الفهم؛ فالمعرفة ليست کما کان يتصور الفلاسفة القدامي بانها صورة ذهنية مطابقة لما في الخارج12 بل المعرفة هي نتيجة ترکيب معقد بين انطباع الشئ الخارجي في الذهن و ما تضيفه المقولات الذهنية فمثلا مفهوم الزمان و المکان و المفاهيم الثانوية بتعبير الفلاسفة کالعلية کلها اضافات من الذهن لا مطابق لها في الخارج. فاذا دققنا في مفهوم العلية نموذجا نري ان ما نستوعبه من الخارج هو التعاقب فقط و لا شيئاً اکثر من ذلک و لکن الذهن عندما يري التعاقب مرّات عديدة يضيف مفهوما جديدا يسميه العلية دون ان يوجد هناک مطابق محقق لهذا المفهوم في الخارج.13
اکتشافات کانط في مجال الابستمولوجيا انتجت تفکيکا معرفيا بين مفهومين: الشئ کما هو14 و الشئ کما يبدو لنا15. فنحن دائما امام ظاهرة ذهنية نُخضعها للبحث و الدراسة فما نحاول فهمه هو هذه الظاهرة و ليس الشئ کما هو.16 هذا التحول کان نقطة موت الانطولوجيا17 في الفسفة و ظهور اتجاه جديد في الدراسات الفلسفية سمّوه بالابستمولوجيا18 فترک الفلاسفة الوجود و اتجهوا نحو الذهن البشري.
بناء علي التفکيک الذي طرحناه سابقا هناک فجوة بيننا و بين النصّ کموضوع للبحث و الدراسة فنحن واقفون خارج النصّ ننظر اليه و نحاول فهمه و اکتشافه و لا يوجد لدينا طريق الي الدخول فيه و فهمه من الداخل. کل ما يجب علينا فعله اختلاق مقاربات19 توصلنا الي النص فنستطيع النظر اليه من خلالها و قد ظهرت محاولات عديدة لدراسة تلک المقاربات و المناهج التي يمکنها اعطاء هذه المقاربات فظهر علم جديد سمّي بالمتدولوجيا20.
عند ما نبتعد عن النصّ و نحاول مشاهدته من الخارج يصبح صالحاً للدراسة فهناک مسافة بيننا و بين النص يجب ان نلاحظها خلال دراستنا له و کي لا نسقط في مغالطة معرفية تحوّل دراسة النص و محاولة فهمه الي مسخ النصّ و استحالته وفقا لما يفعله ذهننا فيه. النصّ يجب ان يکون في هالة من الابهام و في افق نراه من بعيد فنحاول اکتشافه و الاقتراب منه. يجب ان يخلق النصّ في رحم ذهننا نطفة من اسئلة فتنمو هذه الاسئلة و نساعدها علي ان تستعد للمخاض و لا تكون النهاية بولادة اجوبة من تلک الاسئلة بل تتحول الاسئلة الي موضوع للبحث و النقاش و عندما تنموا و تکبر تصبح رحما جديدا لظهور اسئلة اخري الي ما لا نهاية. فنحن دائما امام فجوة بيننا و بين النص و نراه في مسافة عنا لا يمکن تجاوزها نهائيا و النص يصطحب الابهام و الانغلاق دائما. و اما عندما نراه واضحا تماما لا ابهام و لا انغلاق فيه فهذا هو نقطة موت النص بوصفه موضوعا للدراسة و البحث.
هذا التطور المعرفي في الفلسفة الغربية احدث قفزة نوعية في تاريخ العلوم الانسانية و دراسة الظاهرة الدينية و اللاهوت. و لکن نحن ما زلنا بعيدين عن هذا التطور في الدراسات الاسلامية فالباحثون و الطلاب و الاساتذة في هذه الفروع يرون انفسهم امام نصّ ثابت ظاهر نعيشه في تاريخنا الاسلامي باسره و القرآن مهيمن و مسيطر علي العلوم و المعارف الاسلامية21 و التطور في فهم القرآن و السنة هو من باب التکرار و التفصيل لاجمال ثابت يتوسع دائما و ليس من باب النقد و ابداء اسئلة جديدة. الباحث الاسلامي يتحول حينئذ الي خطيب او مجادل يسيطر علي ادوات الخطابة و الجدل و يستخدم کافة الطرق للاقناع و الاسکات و الالتفاف. هذا الباحث لا يواجه اسئلة حقيقية يطلب فهمها في دراسة النص الديني بل لديه مجموعة من الاجوبة الحاضرة يريد ان يفهما من النص مهما کان.

تطوير المقاربة
الفهم في المنظور الحديث ليس سوي النقد22 فالباحث يحاول دائما نقد النصّ من منظور جديد. واضح انّ المقصود من النقد ليس الردّ و النقض بالضرورة بل هو محاولة للنظر اليه من زاوية جديدة لم ينظر خلالها من قبل. اذن نحن بحاجة الي ايجاد قنوات معرفية دوماً لکي نستطيع النظر من خلالها الي زاوية جديدة في النصّ.
لکل من العلوم الاسلامية التقليدية مقاربة معينة تجاه النصّ فالفقه يحاول وصف النصّ کاساس قانوني ينتج لنا القوانين و الدساتير و يبين الحلال و الحرام و فيه احکام الحياة الفردية و الاجتماعية کلها و کل واقعة لها حکم شرعي. و الکلام يصف لنا النصّ کمنظومة عقائدية تشمل علي حل المسائل الاساسية في المبدأ و المعاد و .. و ينتج لنا منظومة فلسفية متکاملة شاملة. و المؤرخون23 الاسلاميون يشاهدون النصّ بوصفه کتابا يحتوي علي تقارير تاريخية مضبوطة و دقيقة يمکن فهم التاريخ من خلالها. و کذلک العلوم التقليدية الاخري.
هذه المقاربات هي احد الاسباب الرئيسية للأزمة المعرفية في الدراسات الاسلامية. اذ يواجه النصّ کحقيقة ثابتة مطلقة منفصلة عن السياقات و الظروف التي ظهر النص خلالها. فالنصّ من منظور العلوم الحديثة هو نتاج معرفي بشري24 محدود بسياقات تاريخية، حضارية، اجتماعية، نفسية، السنية و الخ. فيجب علي الباحث ان يکتشف هذه السياقات و يتجه نحو النصّ عبر احداها. هذه المسألة الرئيسية في مسار النقد العلمي شهدت محاولات عديدة للمعالجة.
هناک مدارس کثيرة و مختلفة تحاول انتاج حلّ لتلک المسألة. المدرسة الشکلية25 تري ان الطريق الوحيد لفهم النصّ هو فهمه کترکيب من الاشکال. فأي محاولة لتحليل اجتماعي او نفسي او تاريخي مرفوض سوي عبر التحليل الشکلي. و الشکل هو مجموعة من العناصر اللغوية و الادبية التي خلقت النصّ. الشکليون ينکرون تفکيک الشکل عن المحتوي و لا يعتقدون بوجود محتوي منفصل عن الشکل. النص هو نظام منسجم و دقيق من مجموعة من الاشکال کالصيغ الصرفية و التراکيب النحوية و الوزن و السجع و الصور الخيالية و کيفية السرد26 و الاطروحة27 الشاملة للنصّ و اساليب الحوار و وجهة النظر28 و غير ذلک. فکل نصّ يريد ان يحصل علي اسلوبه الخاص في انتقال المفاهيم فهو يستخدم الاسلوب الشائع من جهة و يحاول ايجاد فروق و تغييرات في الاسلوب لکي تکون له ميزته و خصوصياته فکل نص هو خروج عن القاعدة و الحجر الاساس في فهمه کشف هذا الجانب من النص. المدرسة البنيوية و لو انها تأثرت کثيرا بالمدرسة الشکلية و لکن هناک فروق جوهرية في تعاملهما مع النص. فالبنيويون29 يرون النصّ منظومة من العناصر يقوم کل عنصر بوظيفة معينة تجاه العناصر الأخري و تجاه المنظومة النصّية ککل. فيحاولون اکتشاف تلک العناصر و علاقاتها الجدلية بعضها بالبعض الآخر.
لمدرسة التفکيکية تأسست علي انقاض البنيوية و تعتقد بأن ما يريد ان يقوله النص، ليس بمهم و لکن الاهم هو ما اخفاه النصّ فنحن بحاجة الي نظرة تأويلية للنص لکشف الجانب المغفول فيه. و هناک مدارس و اتجاهات عديدة اخري کالتاريخانية30 و الظاهراتية31 و السيميائية و .. لا مجال لعرضها هنا.
اذن نحن بحاجة الي تطوير جذري في هذا المجال و احداث مناخ جديد للتعامل مع النصّ و معالجته علميا. ليس من المهم ان نفرض مقاربة معينة علي الباحث بل ان نلزمه بانّ يقدّم مقاربته و ييبينها علميا و يطورها دوما فيتطور معها النصّ و الباحث معا.

تحديث المنهج
تحديد المنهج قبل الدخول في البحث من الضروريات التي نتجاهلها کثيرا لا لاسباب شکلية کالنسيان و عدم الاعتياد علي هذا الاسلوب بل لاننا نفتقد المنهج في کثير من الاحيان. فهناک کثير من البحوث تقدّم في مجال الدراسات الاسلامية و ليست هي الا مجموعة مبعثرة من المعلومات لا ندري کيف استنتجناها و ما هو الطريق لاثباتها او ابطالها.
دراسة النصوص الدينية بما فيها الاسلامية من اصعب الاختصاصات لان امام الباحث فجوة تاريخية عظيمة تمنعه من الوصول الي النصّ فهو بحاجة الي ادوات للحفر في التاريخ و اعادة انتاج للنصّ و هناک کثير من المعلومات و السياقات الضرورية في فهم النصّ افتقدناها و ضاعت من ايدينا فنحن امام صورة مشوّهة من واقع ظهر قبل مئات السنين. و لکن لحسن الحظّ المشکلة لا تقتصر علينا کباحثين في النصوص الاسلامية لان علماء الاختصاصات الأخري خاصة القريبة من اختصاصنا يواجهون مشکلة تشبه ما نواجهه في معالجة النصوص الاسلامية. فهناک نصوص تاريخية کثيرة قبل الاسلام و بعده موضع اهتمام العلماء و حاولوا احداث مناهج و ادوات للوصول اليها و فهمها من جديد.
1. التحليل التاريخي: کل فکرة ظهرت عبر التاريخ الانساني، کائن تأريخي ولد في سنة معينة من اب و ام و ترعرع و نشأ في بيئة معينة و انتقل الي بيئات أخري و تزوّج و تناسل و مات في النهاية. علي هذا الاساس تحاول الدراسات التاريخية کشف مسيرة کل فکرة من الظهور الي الافول و اکتشاف مصادرها و تناکحاتها بالافکار الأخري و اسباب انتشارها و موتها في النهاية.32 فهناک کثير من الموضوعات الدينية من العقائد کفکرة التوحيد و الصفات و المعاد الجسماني و العصمة و الامامة و غيرها يمکن فهمها و تفسيرها تاريخيا بشکل مختلف بالنسبة الي ما يفهم في الدراسات الاسلامية التقليدية.33
2. الالسنيات: هي مجموعة من العلوم تبحث ظاهرة اللغة من وجهات نظر عديدة. فالاتيمولوجيا34 او علم الاشتقاق يبحث تاريخ المفردات من فترة زمنية الي فترة اخري فنعرف من خلالها الجذور التاريخية و المصادر الاصلية للغة و تساعدنا علي فهم معني المفردة بشکل افضل و معرفة الاقارب لها في اللغات الاخري. فاللغات البشرية ليست کائنات منفصلة عن بعضها بل اللغة ايضا کمنتجيها اعني نحن البشر لها تواصلات و رحلات و تلاقحات و توالدات و .. فکثيرا ما نشاهد مفردة نشأت بين الاقوام الهندواوربية في شرق آسيا و بعدها انتقلت الي المنطقة السامية عبر العربية و ثم الي شمال آفريقيا حيث تسود اللغات الحامية و من ثم الي جنوب اوربا و .. هذه الدراسة تساعدنا علي فهم الکثير من التطورات في اللغة و فهم بعض المفردات الصعبة في القرآن و النصوص الأخري فمثلا هناک مفردات کثيرة نحو: الله، الحنيف، الامّي، القرآن و .. نستطيع فهمها بشکل افضل اذا قمنا بدراستها دراسة اشتقاقية.35
السمنطيقيا36 تبحث العلاقات المعنائية بين المفردات و تحاول ايجاد شبکة من تلک العلاقات داخل نصّ معين کالقرآن و من خلال هذه الشبکة نتعرف علي المکوّنات الاساسية في کل مفهوم و کما يمکننا اعطاء تفسير مستند الي الاسلوب البياني للنصّ و تتبّع المعني و تطوراته داخل النصّ. فمثلا هناک علاقة معنائية بين الامي و اهل‌الکتاب و بين التقوي و الاحسان و .. يمکننا ايضا القيام بدراسة تاريخية لتطورات المعاني فنستنتج مثلا کيف کانت تستعمل کلمة الحنيف لمفهوم الاعوجاج و الانحراف و بعد مدة اصبحت اسم علم يطلق علي اتجاه ديني داخل شبه الجزيرة العربية و في النهاية تحول معناه الي الاصالة و السنة نقيضا لمعناه الاول.37
هناک اختصاصات أخري في حقل الالسنيات کاللغويات التاريخية38 و الالسنيات المقارنة39 من الممکن تطبيقها في الدراسات الاسلامية و خاصة دراسة القرآن و الاحاديث.
3. السردية40 تبحث عن الرواية و الحکاية بمعني اعم مما نطلق عليه في العلوم الادبية التقليدية و علوم القرآن. فالسرد هو تتابع حادثتين او اکثر بينهما ارتباط منطقي و زمني.41 فمثلا عبارة مختصرة نحو: «مات الملک و ماتت الملکة اثر حزنها علي موت بعلها» تعتبر نموذج من السرد. و يقوم الباحث في هذا المجال بتفکيک المکوّن السردي و استنتاج العناصر الاساسية في هذه التشکيلة و کيفية التعاقب و التوالي بينهم و الزاوية التي ينظر نت خلالها القاصّ او احد الشخصيات في السرد و تصنيف الشخصيات و دور کل واحد منهم في السرد و … و بما انّ النصّ القرآني يحتوي علي نماذج کثيرة من السرد قصةً و تمثيلاً و توصيفا لظاهرة طبيعية و غيرها يمکن ان نحلل النصّ القرآني من هذا المنظور و نتعرّف علي جوانب مخفية في النصّ.
4. الانثروبولوجيا42: علم يبحث عن التقاليد و المعتقدات و اساليب الحياة الاجتماعية من الزواج و الموت و .. في المجتمعات التقليدية و خاصة البدائية منها. و بما انّ النصّ القرآني ظهر في احدي تلک المجتمعات و تأثّر کثيرا بنظام الحياة القبلية و هناك انعكاس كبير لتقاليد و معتقدات القبيلة في القرآن و الاحاديث و من بعده في العلوم الاسلامية و خاصة الفقه، فعليه يمكننا دراسة ظاهرة القبيلة و الحياة العربية القديمة في عصر البعثة و من خلالها تقديم تفسير لکثير من الجوانب المختفية في النصّ فمثلا ما هو مفهوم «القصاص حياة» خطابا لمجتمع يعتقد به و يطبقه اکثر من اللازم. و ايضا هل حکم الزواج المتعدد في القرآن ظهر في مجتمع يعتقد به او انّ المجتمع العربي کان يطبّق نظام الزواج الأحادي و الممارسات الجنسية الأخري کانت غير رسمية فالقرآن اباح له الزواج باربعة فقط و لکن شريطة ان تکون کلها رسمية تحفظ حقوق المرأة. و ايضا هل کان المشرکون في المجتمع العربي علي ديانة موحّدة او کان هناک انواع مختلفة من الشرک لم يفصّله لنا القرآن و لکن عند الردّ علي المشرکين لاحظ معتقدات کل مذهب منهم فمثلا هناک من کان يعتقد بالشمنية43 و من کان يعبد الطبيعة44 و کانت هناک نماذج عدة من الطوطمية45 و کان من يتعبد بالاعمال السحرية46 الي غير ذلک. و ايضا الاديان و المذاهب الأخري کالنصرانية و الصابئة و اليهود و المانوية و الاحناف کانت موجودة في شبه الجزيرة العربية آنذاک. فمعرفة هذه المذاهب و توظيفها في فهم القرآن تقدم لنا صورة مختلفة عن الاسلام و المصادر الرئيسة له.47

استنتاج و اقتراح
حرکة الاصلاح و التحديث في المجتمعات الاسلامية يجب ان تنطلق من حقل الاصلاح الديني و هذا لا يتم الا بتحديث البني التحتية للدراسات الاسلامية فيجب ان تتغير رؤية المجتمع تجاه الدين و تقوم المعاهد و الجامعات بوضع مقاربات و مناهج حديثة للدراسات الاسلامية. اذن من الضروري ان نقوم بتطوير هذه الدراسات في الجامعات و المعاهد و نؤسس جسور اتصال بينها و بين الدراسات الحديثة القريبة منها فالاختصاصات العلمية في الاسلاميات يجب ان تتفرّع علي اساس تلک المقاربات و المناهج الحديثة لا علي الاساس التقليدي القديم المبتني علي تقسيم الموضوعات الي فقه و قرآن و حديث و کلام و … هذا التقسيم الذي اسّس علي الرؤية القديمة و لم تخرّج الا خطباء و مبشّرين لا علماء و ناقدين.

الهوامش
1 راجع: المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، جواد علي، دارالعلم للملايين، بيروت، الفصل العشرون بعد المئة: أمية الجاهليين.
2 انعکس هذا التمني في بعض آيات القرآن: «لو انا انزل علينا الکتاب لکنا اهدي» الانعام/6، 157.
3 للاطلاع اکثر راجع: God and Man in the Quran, capture 3, Toshihiko Izutsu, Islamic Book Trust, 2002.
4 راجع: الفهرست لابن نديم البغدادي، طبعة فلوجل، 303؛ فتوح البلدان للبلاذري، مکتبة النهضة المصرية، 2/368.
5 هناک نماذج کثيرة لمراجعة علماء المسلمين من الصحابة و التابعين الي علماء اهل الکتاب و ظهرت اثر ذلک مسائل کلامية و غيرها اثرت علي مسار الفکر الديني و الفلسفي في العالم الاسلامي و من ابرزها مسألة قدم القرآن و انه غير مخلوق و تقول لنا الروايات التاريخية بانّ هذه المسألة ظهرت ابتداءً اثر مقارنة ظهرت في اذهان بعض الصحابة و التابعين بأن القرآن و النصاري يعبرون عن المسيح بانه کلمة الله و النصاري يعتقدون بانه ازلي و قديم و لکن هذا ينافي فکرة التوحيد و يستلزم الشرک فانکروه و لکن القرآن ايضا هو کلام الله و لا مانع في ان نعتقد بقدمه و انه ازلي فانه ليس موجودا بعرض الله بل هو من مظاهر الله فکما ان اللله قديم فالقران ايضا قديم. و لا يشک احد في مدي تاثير فکرة خلق القرآن في ايجاد مفاهيم و ادوات للبحث الفلسفي و الکلامي و الفقهي و .. بل اثر في تشکيل مدارس مهمة کالمعتزلة الذين واجهوا هذه الفکرة من الابتداء بالنقد و الانکار.
6 راجع: التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، عبد الرحمن البدوي، وكالة المطبوعات، 1980.
7 من اهم هذه النماذج هي مدرسة ابن‌عباس الذي اشتهر بحبر هذه الامة بسبب استفادته الکثيرة من علوم و نصوص اهل الکتاب و ظهر في هذه المدرسة عدد کبير من المفسرين و المتکلمين و المؤرخين.
8 مراجعة سريعة لکتب الملل و النحل تعطي لنا صورة عن حجم المذاهب التي ظهرت من القرن الثاني و کانت تحاول ايجاد نقد حرّ للافکار و سمّيت فيما بعد بالزندقة و اصحابها بالزنادقة من النظام المعتزلي و ابن الريوندي و زکريا الرازي و ..
9 من اهمّ ممثلي هذا التيار هم المعتزلة و بعض متکلمي الفلاسفة کنصيرالدين الطوسي.
10 الغزالي و ابن تيمية من ابرز ممثلي هذا التيار.
11 لهذا نري ان الجزء المتبقي من الفکر الفلسفي انحصر في اصول الفقه بوصفه مقدمه للفقه و المنطق و الفلسفة العامة بوصفهما مقدمتان للّاهوت.
12 راجع: البحث عن الوجود الذهني في کتب الفلسفة الاسلامية کالاشارات و الاسفار و غيرهما.
13 للاطلاع اکثر حول المقولات الکانطية و نقده للعقل البشري راجع:
Critique of Pure Reason, Immanuel Kant, Cambridge University Press, 1999.
14 Nomen
15 Phenomena
16 هذه الفکرة انتجت فيما بعد المدرسة الظاهراتية (Phenomenology) علي يد هوسرل الآلماني.
17 Ontology
18 Epistemology
19 Approach
20 Methodology
21 و في بعض الاحيان نتصوره نصّا مهيمنا علي المعرفة البشرية جميعا فهو مصدر کل شئ و لا شئ خارجا عنه.
22 Criticism
23 اجتنب الکاتب عنوان التاريخ لاعتقاده بان ليس هناک شئ يسمي بعلم التاريخ في الحضارة الاسلامية فکل ما انتجه المؤرخون الاسلاميون ليس سوي نقل لاحداث الماضي و هناک فرق شاسع بين النقل و التحليل و لا يبني علم علي اساس النقل البحت.
24 لا تعني کلمة «البشري» نفي الاساس الوحياني للنصّ بل العلم الحديث لا يبدي رأيا اصلا تجاه هذه المسألة فهو يتکفل تحليلا ماديا للنصّ و لا يستطيع في ادواته و مناهجه ان يثبت او ينکر العلاقة الوحيانية لانها ليست علاقة مادية يمکن مشاهدتها و تحليلها فهي مسألة تتعلق بالايمان و الايمان خارج حدود العلم. علي اي حال هناک اتجاهات عديدة حول العلاقة بين العلم و الايمان فالبعض يعتقد بالفصل تماما و البعض الآخر يعتقد بان الايمان و العلم منفصلان يدعمان الآخر و آراء أخري لا مجال لتناولها. راجع:
Reason and Religion Belief: An Introduction to the Philosophy of Religion, Capture 3 & 11, Oxford University Press, 1991.
25 المدرسة الشکلية هي روسية المنشأ و اکثر شخصياتها من الروس ايضا نحو: آخن‌بام، شکلوفسکي، ياکوبينسکي و ياکوبسن. لمزيد من المعلومات راجع: مقالة «الشکليون الروس» جان ايف تاديه، ترجمة قاسم مقداد، مجلة المعرفة، سوريا، العدد 332، 1991.
26 Narration
27 Plot
28 Point of view
29 البنيوية اثرت في فروع کثيرة من العلوم الانسانية في الغرب من علم الاجتماع و الانثروبولوجيا و السردية و الالسنيات و غير ذلک و اکثر شخصياتها من فرنسا و امريکا. للاطلاع اکثر راجع: عصر البنيوية، اديث كيرزويل، ترجمة و تحقيق: جابر عصفور، دار آفاق عربية للصحافة والنشر، 1985.
30 Historicism
31 Phenomenology
32 هناک مناهج مختلفة للتحليل التاريخي من اهمها و ابرزها منهج ميشل فوکو. لمزيد من المعلومات راجع: حفريات المعرفة، ميشل فوکو، ترجمة: سالم يفوت، المرکز الثقافي العربي، بيروت.
33 من ابرز نماذج هذه النوعية من الدراسات تأليفات محمد عابد الجابري الذي يتبع طريقة فوکو و ايضا هناک کثير من البحوث الاستشراقية لشخصيات نحو: مادلونغ، فان اس و غيرهم. ايضا لمشاهدة نموذج بارز آخر راجع:
Crisis And Consolidation in the Formative Period of Shi’ite Islam, Modarresi Tabatbaie, The Darwine Press.
34 Etymology
35 يمکن ان يقال بأن لنا کتب لغة کثيرة يمکننا الاعتماد عليها و الکف عن کل هذا الجهد غير المفيد. و لکن يجب ان نتذکر انّ اول قاموس لغوي ظهر عندنا هو کتاب العين لخليل بن احمد الفراهيدي و هو متأخر عن عصر نزول القرآن حدود 150 سنة و ظهرت في هذه الفترة الطويلة تغييرات جذرية علي اللغة العربية و لا يمکننا الاعتماد علي تلک القواميس بل يجب علينا ان نقوم ببحث اجتهادي ممنهج في خصوص کل مفردة مهمة في النصوص القديمة. لمشاهدة نموذج بحث اتيمولوجي في حقل الدراسات القرآنية راجع: The Foreign Vocabulary in the Quran, Arthur Jeffrey.
36 Semantics
37 من ابرز البحوث القرآنية في هذا الحقل هو لايزوتسو و بعض تلامذته. نحو:
God and Man in the Quran, Toshihiko Izutsu, Islamic Book Trust, 2002; Ethico-Religious Concepts in the Quran, , Toshihiko Izutsu, McGill-Queen’s University Press, 2002.
38 Historical Linguistics
39 Comparative Linguistics
40 Narratology
41 السردية بمعني علم دراسة القصص و الروايات و لو انّ لها تاريخ طويل منذ عهد اليونان و خاصة في کتاب البوطيقا لارسطو و لکن الاتجاه الجديد لهذا العلم لا يتجاوز عمره اکثر من مئة سنة و نشأ في احضان الالسنيات و هو الآن يتحول الي علم مستقل. السردية نشأت و تطورت في روسيا و فرانسا بشکل خاص و من اهم شخصياتها ولاديمير بروب الروسي و کلود لوي اشتراوس و واين بوث و .. علما ان الکاتب قدّم رسالة دکتوراه حول کيفية تعاقب الحوادث في السرد القرآني باشراف الدکتور احمد باکتجي و الدکتور آذرتاش آذرنوش.
42 Anthropology
43 Shamanism
44 Nature Worship
45 Tatemism
46 Fetishism
47 جواد علي في کتابه «المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام» قدم لنا نماذج کثيرة من بحوث آنثروبولوجية في حقل الدراسات الاسلامية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *