ضرورة العدالة والحقيقة بجنب العفو والمصالحة

تم إعلان العفو عن عدد كبير من المنتمين لحزب البعث وما يسمون بفدائيي صدام قبل ايام من قبل مسئولين كبار في الدولة العراقية. وكان من المفاجأة أن القرار لم يسبقه أي دراسة، تحقيق او مناقشه للقرارات السابقة، ولم يتم عبر توافق عام بين الأطراف المتنازعة على القوانين السابقة؛ وكأنه رد فعل غير مدروس للتخلص من عبء المظاهرات في بعض مناطق العراق، وكما كان من المتوقع لم يلق الاعلان ترحيبا او تهدئة للأجواء الساخنة العراقية. وبدا كأنه يخاطب الارهابيين المختفين وليس المتظاهرين العلنيين الذي يطالبون بحقوق عادلة، وكأنه هدية من الحكومة او اعلانا عاما للنكسة والتسليم امام التفجيرات الارهابية المستمرة في انحاء العراق واعلان رسمي لفشل الحكومة في تثبيت الأمن.
هناك من المؤكد اشكالات مأخوذة على قانون المساءلة والعدالة وطريقة التعامل مع الجرائم التي حدثت في الحقبات السابقة، ولكن اصلاح الخطأ بخطأ آخر ليس هو الحل، بل ما تم اعلانه هو ليس الا تعميقا اكثر للشعور بالمظللومية وما يعقبه من الثأر والانتقام. وكان من المرجو أن يتبع العراق بهذا الخصوص مسيرة طويلة من النماذج الناجحة في تحقيقي ما تسمى بالعدالة الانتقالية في العالم. هناك ما لا يقل عن 32 لجنة تحقيق في 28 بلداً من عام 1974 إلى عام 2007 حسب ما اعلنته منظمة العفو الدولية؛ وأكثرها تعتبر ناجحة من حيث تعاطيها المدروس لمسألة الجرائم ضد الإنسانية وكيفية التعامل معه وإشكالية التوافق بين العدالة والمصالحة. ومن أشهر تلك اللجان، “لجنة الحقيقة والمصالحة” (TRC) في جنوب آفريقا التي أنهت عقود طويلة من العنصرية والجرائم ضد البشرية بشكل ناجح جدا وأوصلت البلد من دولة منعزلة ومحظورة الى أحد أحد أهم الدول الناحجة في العالم.
من المثير للعجب جدا أنه كيف أغمضت العيون على كل هذه النماذج والعمل الدؤوب وكم هائل من الدراسات العالمية، وتم التعامل مع مسألة معقدة كهذه بطريقة انفعالية وصبيانية ابتداء من القرارات السابقة الى التعديلات اللاحقة. وأرى أحد أهم الاسباب أن القرارات العامة الكبرى في العراق عادة تتم في سياقات سياسية بحته بعيدا عن الدعم العلمي والأكاديمي الذي يجب ان يسبق القرار السياسي. وللأسف لا يوجد أي نوع من التعاطي الأكاديمي بشكل تقديم دراسات وتوصيات من مؤسسات علمية بحته الى مؤسسات الدولة ومن ثم البدء في التعاطي السياسي معها بشكل قرار سياسي مصوت عليه رسميا.
من المهم جدا في التعامل مع اشكالية الجرائم السابقة أن توفق القرارات بين العفو والعدل، المصالحة والحقيقة. لست ممن يخالف ضرورة العفو عما حدث سابقا وانهاء دوامة الصراع والانتقام ومن المعروف ان الثار ينتج ثارا جديدا؛ ولكن لا تأتي المصالحة بثمن كتمان الحقيقة والتنازل عن العدالة. تأتي المصالحة كمرحلة ما بعد كشف الحقيقة والاعتراف بها من قبل الفاعلين وليس قبل ذلك؛ ففي كل النماذج الناجحة في هذا المجال كانت أحد الشروط الأساسية للعفو هو الاعتراف من قبل الجناة بارتكاب الجريمة واعلانهم الرسمي والعام بأنهم أخطأوا وأنهم نادمون على ما فعلوا وأيضا في كل النماذج الناجحة هناك تسجيل رسمي مرفقا ببث مباشر لتجارب الضحايا ومعاناتهم، فلا يأتي العفو لا في مقابل الحقيقة، ولا يمكن تحقيق المصالحة الا في سياق العدالة.
فإن من أهم حقوق الضحايا معرفة الحقيقة، فهل عرفنا من قام بارتكاب مجازر انتفاضة الجنوب 1991 ومن ارتكب جرائم ضد اهل الرمادي في ثورتهم ضد صدام 1995، وقائمة الجرائم ضد البشرية طويلة للاسف في العراق، وما زال الكثير من الحقائق والملابسات المرتبطة بها غير معلومة، وللأسف لم يتم التعاطي معها الا باسلوب الثأر والانتقام او التجاهل والتغاضي والاثنان خطأ لا يساعدان على انهاء المشكلة بل يوسعان من دائرة الحقد والعداء والتفرقة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *