عبدالهادي الفضلي: العالم المعتدل والباحث الموضوعي

ارتحل العلامة العراقي المنشأ الشيخ عبدالهادي الفضلي قبل ايام عديدة تاركا وراءه إرثاً علمياً غنياً بإيجابيات كبيرة وبالترفع عن سلبيات كثيرة مما نشاهدها هذه الأيام في أمثاله ونظراءه. تولد الفضلي في البصرة من أب إحسائي وأم بصراوية، والبصرة هي المعروفة بتمازجها المتنوع والجميل بين الثقافات القريبة والبعيدة من مجتمعات الخليج واصحاب الديانات العراقية القديمة والهنود وزنوج آفريقا والشعوب المجاورة من الفرس والأرمن والأتراك وغيرهم (وبين قوسين رغم كل ما حدث لتلك المدينة الجميلة من بلايا ومصايب، فما زالت تحافظ على كنزها وذخرها الثقافي وأنا سعيد جدا بأني ما زلت أحتفظ بصداقات من كل القوميات والطوائف الذي سبق ذكرهم في البصرة).
أكمل الفضلي جلّ دراسته في النجف وهو تلميذ لكبار مراجع العراق المعروفين أمثال: سيد محسن الحكيم، السيد ابوالقاسم الخوئي والشهيد محمدباقر الصدر. وكان زميلا لعدد كبير من الشخصيات المعاصرة من أمثال: الشيخ الوائلي والسيد مهدي الحكيم وكثيرون آخرون الذي لم يشرف الشيخ الفضلي ذكر بعضهم كزملاء له؛ فبالمقارنة مع نظائره تظهر كثير من محاسن الرجل. ويعتبر الفضلي خريجا لكلية الفقه في النجف ومنتدى النشر المعروفتين بانتاجهما لجيل كبير من العلماء المعتدلين ذات الميول الاكاديمية والمنهجية الموضوعية. ودرس الفضلي في الجامعات العراقية وايضا أكمل دراسته الاكاديمية في الأزهر ليحصل على دكتوراه في اللغة العربية ويتعين في جامعة الملك عبد العزيز في جدة مؤسساً لقسم اللغة العربية فيها. فتعامل الفضلي في حياته المليئة بالنجازات الأكاديمية والدعوية مع تيارات مختلفة ومتناقضة احيانا دون نفاق ودون عراك؛ فجمع بين تياري التشيع المحافظ والتشيع السياسي في النجف وجمع بين التسنن المحافظ الأزهري والتسنن السلفي السعودي؛ واحتفظ الرجل بعلاقة طيبة مع مؤسسات دينية وعلمية في دول عربية، غربية وأيضا ايران بوصفه مجتمع ذات اكثرية شيعية منفصلة ثقافيا ولغويا عن كثير من جيرانها.
سجل في تاريخ حياته أنه ساهم في تأسيس حزب الدعوة بوصفه من الطبقة الثانية في الحزب، وساهم في دعم فكرة الاسلام السياسي بكتابات معتدلة في مجلة الأضواء وغيرها من مؤلفاته. ولكن لم يدنس ثيابه بأي عمل طائفي او عنفي تجاه الآخر الذي يختلف معه، ولم يصدر فتاوى بجواز قتل او تكفير هذا او ذاك، ولم يحاول استخدام تراثه في الحصول على مكاسب بعد ما استلم الحزب السلطة في العراق. وفي عصر أصبح السكوت وعدم إشعال الأحقاد الدينية، فضيلة لرجال الدين، لم يكتف الفضلي بذلك وقد ساهم فكريا وعمليا في تقوية ومساندة التيار الديني المعتدل مما يبرز بوضوح في طريقة تعامله مع من يخالفه الرأي في مؤلفاته وسيرة عمله مع الآخر المخالف في الدين او الأفكار.
ومما يستحق الذكر في سيرته العلمية، انه من النوادر في تيار علماء الدين ممن عرفوا إشكالية الدراسات التقليديه من حيث خلل المقاربات المنهجية، فقام بتاليف كتاب في الميثودولوجيا مما اصبح من اهم المصار لمن تلاه في التاليف في هذا الموضوع. وما زال الكتاب يحتفظ بمكانة من الاهمية لمن يريد البحث في مجال الدراسات الدينية بمنهجية موضوعية بعيدة عن التهييج والترويج.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *