تفتت المجتمع العراقي .. إنتشار الجدران العازلة وألم الشعور بالأقلية

أذكر قبل سنوات غير بعيدة كنت في كربلاء عند أحد أقربائي البعيدين من الزيجات المختلفة المذاهب والاديان التي كانت أحد أجمل معالم المجتمع العراقي، فالمرأة من الشيعة والرجل من السنة وقد عاشا – وما يزالان أحياء – مدى اكثر من عشرين سنة، وكل منها قد حافظ على مذهبه دون إحراج للآخر. والأجمل من ذلك ان كان لهما اولاد اثنين متقاربين في العمر وقد بلغا حد البلوغ الشرعي فقررا ان يبحثنا أي مذهب يتبعانه في سلوكهم الديني؛ فتناقشنا بالموضوع لمدة طويلة .. قال أحدهما مزاحاً أن سأقرر ان اتكتف بيدي اليمنى وأسبل اليسرى لأجمع بين المذهبين .. وكان الوالدان جالسين طوال الوقت لا يتدخلا في مناقشات اولادهم وفي مسيرة إتخاذ القرار من قبلهم. مرت الأيام وسمعت بعد حين أن أحدهما قرر أن يتبع المذهب الشيعي والثاني المذهب السني.
أعرف عدد غير قليل من العوائل العراقية التي تجمع بين المذاهب والأديان؛ فكان غير مستغرب أن يجمع الحب بين مسلم ومسيحي، ناهيك عن الشيعي والسني. هناك أحد أشهر الكتاب العراقيين المعاصرين والذي أتصور أن كل أصدقائي في الفيسبوك يعرفونه جيدا فهو من أصول شيعية من أعماق العراق من الجبايش وزوجته مسيحية من مهد بغداد. وقائمة النماذج أطول بكثير من أستطع أن اسردها لكم هنا.
يؤسفني جدا أن أذكر هذه الخصوصية في المجتع العراقي بوصفه أمرا تاريخيا منقضيا وقد أصبح من اصعب المستحيلات. سمعت اليوم عن أحد أقربائي أن شخصا مختلف المذهب قد خطبها واشترط عليها أن يجب أن تغيري مذهبك لتستطيعي أن تعيشي مع أهلي وعشيرتي، فهم لا يتقبلون أن تكون كنتهم من مذهب آخر يعتبرونه باطلا، فاقترح عليها أن يتناقشا في الأمر ليريا أي مذهب هو الحق وحري بالاتباع، ومن الواضح أنه متاكد من الابتداء أن مذهبه هو الحق ومذهبها هو الباطل. كيف ستكون هذه الحياة الزوجية البائسة التي تنطلق هكذا؟! ولكن للأسف يبدو أننا كعراقيين مصممين على أن ننحو بهذا الإتجاه، رغم أنني ما زلت متفائلا بتاثير خلفيات ثقافة التنوع في البنية الاجتماعية العراقية.
حين تكسح ثقافة الاغلبية، الشأن العام وتهمش المكونات المختلفة التي هي أضعف بسبب قلة أفرادها أو نفوذها الاجتماعي والسياسي، فتشعر تلك المكونات بكونها أقلية. وسيقوم هذا الشعور المؤلم بعزل تلك الأقليات أكثر فأكثر الى أن لا تشعر بوجود هوية مشتركة تجمعها مع الأغلبية المتسلطة. هذا الشعور المؤلم يفقدك الاحساس بالامان في بلدك التي عشت فيه عبر آلاف السنين من حياة الجماعة التي لم تعرف كيف تحولت الى أقلية والتي توحي لها بأنها في درجة أدني من الآخر الذي تغلب عليها تدريجيا بقدرة النسل والمال والقوة.
حين يمثل شعار (عربية الوجه اسلامية القلب) بغداد بوصفها عاصمة للعراق ككلّ تاريخي واجتماعي، فماذا تتصور أن يكون شعور الكردي الذي عاش فيها مئات السنين او الصابئي والمسيحي الذي أسس حضارة بغداد في عصر نهضة ترجمة النصوص السريانية واليونانية الى العربية ولها الفضل في تاسيس الحضارة الاسلامية، او اليهودي الذي ما زال حاضرا في الهندسة المعمارية الحضرية في بغداد وفي فنونها وتقاليدها. وكيف أصبحت بغداد عربية خالصة وأن إسمها ليس عربيا من الأساس، فأتت بغداد من باغداد التي تعني بالفارسية حديقة الرب او جنة الحبيب باللغة الآرامية القديمة؛ وأن ابا جعفر المنصور بناها من المواد التي كانوا يجعونها بعد تخريب قصور وبنايات تيسفون او المدائن؛ وأن بيت حكمتها في عهد المأمون العباسي كانت تغص بالسريان والفرس وغيرهم من الأقوام التي نقلوا لنا علومهم فدوناها وطورنا عبر القرون الى أن شاركنا في بناء الحضارة الغربية بنقلها لهم. ورغم ذلك أنا سعيد أن الشعار انتهي بفقرة (إنسانية الروح) التي ارتسم فيها خطابا انسانيا شاملا اتمنى أن يمثل العراق وبغداد بشكل خاص في يوم من الأيام.
الشعور بالغربة وعدم الإنتماء في بلدك الأصلي مؤلم جدا وهو الذي ينتج عن خطابنا وكيفية تعاملنا مع الآخر. انتشرت معالم الإلغاء في كل ناحية من مدننا وقد ألغينا أي فسحة لمشاركة الآخر في الحياة العامة وإبراز هويته بطريقته الخاصة. فالاعياد القومية والدينية كلها لنا كعرب ومسلمين، الأعلام والرموز المنتشرة في شوارع مدننا كلها تشير لنا، أصواتنا مسموعة في كل مكان بحيث لا يجد الآخر أي مجال لمشاركته معنا في بناء المدينة وفي صناعة الشأن العام.
تحول قسم كبير من المجتمع العراقي الى كتل غريبة تعيش داخل هويتها المنغلقة ولا تستطيع وفي كثير من الأحيان تخاف من التواصل والمشاركة الإجتماعية. وحاليا بعد ما انتهينا من فصل الاقليات الدينية والقومية والعرقية عن المجتمع، بدأنا نصنع زنزانات جديدة داخل الدين الواحد: أنت سني وأنا شيعي، وسوف لا ينتهي الأمر الى هنا قط، فسنفصل ذلك الشيعي بوصفه شيخي – كما هو مفصول حاليا وفي واقع الامر باعتباره بدعة غريبة عن المركز الشيعي – او إخباري او في ما بعد أنت صدري وانا غير صدري … وأيضا انت سني ذات ميول صوفية وأنا سني ضد التصوف، أنت سلفي وأنا مو سلفي …
أرى سبب هذا البلاء كله من إدخال الدين والقومية في تحديد الهوية الإجتماعية العامة وافساح المجال لهما للعمل في الشأن العام أكثر ما هو مسموح لهما بوصفهما ابعاد للهويات الجزئية التي تعيش مع غيرها في بلد واحد. ولهذا لم نستطع أن نصنع هوية عراقية للأمة العراقية التي تجمعها الكثير من المشتركات في اللغة والأدب، التقاليد والأعراف، الفنون والمعمارية المدنية، التاريخ والعلاقات المجتمعية وغيرها. النموذج البارز الذي أحلم به للعراق هو نموذج الشعب الأمريكي فهو يشعر بأمريكيته مع غض النظر عن أنه من أصول بريطانية او آسيوية او آفريقية او من الهنود الحمر، فكل الهويات الأخرى تذهب الى الأسفل لتعمل في اطار محدد متناسقا مع الهوية الاجتماعية العامة التي تجمع الامريكان كلهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *