تراثي في عصر ما بعد الحداثة: عرض لرؤية و افکار سيد حسين نصر

این نوشته در روزنامه عراقی الصباح منتشر شده است.

جدل التراث و الحداثة هو عنوان مهم لمجموعة واسعة من اشکاليات الانسان المعاصر. حرکة التطور و التحول السريعة في العقود و القرون الآخيرة احدثت انشطارا کبيرا في الحياة البشرية. فالانسان المعاصر يستلهم هويته و فهمه عن الحياة و الانسان و الکون من ماضية و من التراث الهائل الفلسفي و الديني و الشعري و الفولکلور و غير ذلک من منتوجات العالم القديم. هذا من جهة و من جهة اخری هو يعيش عالما مختلف تماما بالنسبة للعالم الذي کان يعيش فيه آبائه المنتجين لذلک التراث. فهو يفتح عينه تجاه الحياة وسط کم هائل من المکائن التي سيطرت علی حياته و انتزعت منه هويته الانسانية ککائن حي و ابعدته عن الطبيعة التي کان الانسان القديم يعيش فيها و بها و معها علی الکرة الارضية. فهو يشعر بالتناقض في الذات تناقض جذوره التاريخية مع اسلوب حياته الحالية.
دخل تيار الحداثة الی العالم الاسلامي من بوابات کبيرة و متعددة من مصر و ترکيا و الهند فاحدث صدمة کبيرة للمسلمين الذين کانوا يعيشون تراثهم و لا يتصورون وجود اي بديل له. فظهرت انعکاسات مختلفة لتلک الصدمة يمکن تصنيفها في ثلاث تيارات رئيسية: التيار الاول کان يری الحل للصدمة التي واجهته العالم الاسلامي في الرجوع الی عهد ظهور الاسلام و الغاء کل التراث الهائل الذي ظهر عبر التاريخ الاسلامي من الفلسفة و العرفان و الفن و الفولکلور و الطقوس و غير ذلک .. فاطلقوا علی انفسهم عنوان السلفية اشعارا بضرورة الرجوع الی السلف المتمثل في الصحابة و التابعين و عدد ضئيل جدا من اعلام الحضارة الاسلامية و اطلقوا عنوان البدعة علی الجانب الاکبر و الاهم في التراث الاسلامي. التيار الثاني رغم توافقه مع التيار الاول في ضرورة التغيير و التحول و لکن اتجه نحو المستقبل و رأی ان الحل يکمن في تجديد الفکر الاسلامي و تحويل المجتمع الاسلامي منطبقا علی النسخة الحداثوية المنطلقة من الغرب فهولاء ايضا اضطروا الی الغاء قسم کبير من التراث و اعتباره کائنا ميتا فشيعوه و دفنوه في اعماق التاريخ. بين هذا و ذاک هناک تيار مهم رأی من الضروري المحافظة علی التراث الاسلامي بکل مکوناته التاريخية و اعتبار کل جزء منه تطبيقا للتجربة النبوية التي اطلقها النبي محمد بن عبدالله و ما زالت هذه التجربة حية مستمرة تعيش عبر الاجيال و التاريخ و تشکل طاقة للرؤية و التجارب الدينية للبشر.

سيد حسين نصر من الاعلام البارزين للتيار التراثي و قد قدم عدد کبير من الدراسات و الکتب في هذا المجال. نصر نشأ في عائلة صوفية ايرانية و ذهب للدراسة الی امريکا و حصل علی شهادة ماجستير في الفيزياء و دکتوراه في تاريخ العلوم و تأثر هناک بفريتهوف شوان صاحب فکرة الحکمة الخالدة ثم رجع الی ايران و اهتم بالفلسفة الاسلامية و تتلمذ فترة طويلة عند السيد محمد حسين الطباطبائي و کان له جلسات حوار و نقاش علمي مع مرتضی مطهري و الرفيعي القزويني و کليهما من الاعلام المعاصرين في الفلسفة الاسلامية و شارک مع هانري کوربن المستشرق الفرنسي الشهير في تاليف کتاب «تاريخ الفلسفة الاسلامية» و هو الآن رئيس قسم الدراسات الاسلامية في جامعة جورج واشنطن. سيد حسين نصر کتب ما يقرب عشرين کتابا و عشرات الدراسات اکثرها باللغة الانجليزية في عرض الرؤية التراثية التي يعتبر هو من ابرز اعلامها. اهمّ عناوين تاليفات نصر هو کالتالي: الاسلام و مشکلات الانسان الحديث؛ نماذج و حقائق الاسلام؛ مدخل الی النظريات الاسلامية في علم الکون؛ الحياة الصوفية؛ المعرفة والامر المقدس؛ الحياة و الفکر الاسلامي؛ الفن الاسلامي و الروحانية؛ مقالات في التصوف؛ الحاجة للعلم المقدس؛ الدين و نظام الطبيعة؛ الانسان و الطبيعة: الأزمة الروحية للانسان الحديث؛ بستان الحقيقة: الرؤية و الميثاق الصوفي، عوالم الاسلام الباطني؛ ثلاثة حکماء مسلمين: ابن سينا، ابن عربي و السهروردي؛ العلم و الحضارة في الاسلام؛ العلم الاسلامي: دراسة مصورة؛ الانسان و الطبيعة؛ قلب الاسلام: القيم الانسانية الخالدة؛ الفلسفة الاسلامية من النشوء الی الآن: الفلسفة في ارض النبوة.
يمکن تلخيص رؤية و افکار سيد حسين نصر في المحاور التالية:

• الدين و الطبيعة: البشر في تاريخه الطويل تعايش مع الطبيعة فاستخدمها لمصالحه و لم يحاول تدميرها و استنفاد طاقاتها و ثرواتها فالطبيعة کانت تمثل له مخلوق الهي قدمها الله للبشر فکان ينظر لها نظرة قدسية و کان يعتبر نفسه جزءا من هذه الطبيعة التي يعيش فيها و معها و لکن العلم الحديث جعل من الطبيعة کائنا ميتا منفصلا عن البشر فحاول تسخيرها و الهيمنة الکاملة عليها واستخراج کل ثرواتها بل تدميرها و فناءها کما نشاهد الآن انقراض عدد کبير من اصناف الحيوانات و النباتات و حرق و قلع مساحات کبيرة من الغابات و غير ذلک مما يسبب ازمات بيئية خطيرة علی الحياة البشرية فهناک حاجة ماسة لرؤية دينية تجاه الطبيعة للحفاظ عليها بوصفها امانة من الله بايدينا.
• العلم المقدس: النظرة العلمانية للحياة قلعت الجذور الروحية للحياة البشرية فجعلته يعيش في فراغ روحي يعاني منه في شتي انحاء الحياة الفردية والاجتماعية والتي سببت حروبا عالمية کبيرة لا نظير لها في العالم القديم. العلوم الطبيعية تاثرت بهذه النظرة العلمانية و هی بحاجة الی مدها بطاقة روحية تجعلها مواءمة للنظرة الشاملة للحياة و الحاجة للعلوم الطبيعية يجب ان تکون متناسقة مع سائر حاجيات البشر فهنا تأتي الضرورة للعلم المقدس فالعلوم الطبيعية يجب ان تبتني علی اسس معرفية و فلسفية جديدة تجعلها غير مناهضة للرؤية الروحية تجاه الکون و الحياة و الانسان.
• الوحي و التراث الاسلامي: يقصد سيد حسين نصر من التراث کل المکونات التي تجذرت من الوحي المحمدي و انتشرت عبر التاريخ و الحضارة الاسلامية فالوحي عندما بدأ بالهبوط من السماء لم يتوقف بل استمر بعد النبي محمد عبر تجلياته و تطبيقاته في الحياة البشرية من فن و فلسفة و عرفان و لاهوت و غير ذلک فالوحي هو کائن حي متصل بالسماء و ينبوع للحاجة الروحية للانسان في کل العصور. فهو کشجرة جذورها ممتدة في اعماق الارض و فروعها و غصونها و اوراقها تتجه شرقا و غربا و شمالا و جنوبا. القرآن و السنة بوصفهما وصفتان متکاملتان للوحي الاسلامي يشکلان مصدر غني و متنوع لمجموعة واسعة من الافکار و التقاليد و الطقوس و الفنون التي ظهرت في امتداد الحضارة الاسلامية. فالوحي لا يشکل وصفة محددة ضيقة للحياة تفرض علينا طريقة واحدة لممارسة الحياة الفردية و الاجتماعية بل هو مصدر شامل يحدد الاتجاهات الرئيسية للحياة و يتناسب مع مجموعة متنوعة من الممارسات الدينية المعمول بها في انحاء العالم الاسلامي من المحيط الاطلسي الي جنوب شرق آسيا فمثلا الحجاب القرآني يشمل التقاليد المختلفة في هذه البلدان و لا يعني نوع خاص من الملبس يجب ان يطبق علی جميع النساء في کل الثقافات المتنوعة الاسلامية و الغاء کل الخصوصيات الثقافية للشعوب الاسلامية. هذه النظرة الشمولية للوحي ليس معناها الحکم بصحة کل النظريات و الافکار و الرؤی التي ظهرت في تاريخ الحضارة الاسلامية بل التاکيد علی الاصل الوحياني للتراث و ضرورة نقد التراث علی اساس بنيته الداخلية خلافا لما يفعله الحداثويون من نقد علماني للتراث و الوحي.
هناک ايضا آراء مهمة لنصر في مجال الفن و السياسة و اللاهوت اختصرناها في هذه النظرة السريعة کما ان هناک ملاحظات و مناقشات علمية جادة من معارضين هذا التيار بکلتا شقيه السلفي و الحداثوي و خاصة ملاحظات الحداثويين هي جادة و مهمة نتمنى مقاربتها في مناسبة قادمة.
فایل مقاله:
nasr

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *