… كما انقرض المانويون

قرأت مقالة صديقي سعد سلوم البارحة، أعجبتني انتباهه لمعجزة بقاء الصائبة المندائيين في العراق عبر آلاف السنين رغم كل المحن التي واجهوها تحت ضغوط ثقافة الاغلبية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تخوفه من اضمحلالهم وانقراضهم في سنوات قليلة، والسبب ليس الا طيبتهم الفائقة التي لا تقبل استخدام العنف ولو بقصد الدفاع عن النفس. فتذكرت مباشرة قصة ديانات واعراق كثيرة التي اضمحلت من وادي الرافدين في القرون السالفة. ولعل المانوية هم اقرب نموذج للصائبة من حيث اسباب الانقراض، فاسمحوا لي أسرد لكم قصتهم باختصار. المانوية هم اتباع ماني النبي المجهول الهوية – او بالأحرى مختلف الهوية – فهناك من قال انه من اصول ايرانية وآخرين اعتقدوا انه من اصول آرامية ترجع جذوره الى العراق. اتركوا موضوع الأصل فلا يهم باعتقادي، بمقدار ما يهمنا ما انتجه الرجل ومصادره في الانتاج. الديانة التي انتجت على يد ماني هي عبارة عن خليط متناسق وجميل للغاية من عدد كبير من الديانات القديمة من الصين الى اورشليم؛ فقام بتجميع عدد كبير من المعتقدات والأخلاقيات والسلوك المفيد من البوذية والهندوسية والزرادشتية والمسيحية. وهو النبي الوحيد الذي قدم كتابين: أحدهما يشمل نصوص كسائر الكتب المقدسة الأخرى، والثاني عبارة عن رسوم فنية تعبر كل منها عن مجموعة من المعتقدات والاخلاقيات الدينية، وقد سمى كتابه الأول “زبور” وقد عرف ب‍ “زبور ماني” والثاني “أرژنگ”.
وكان العراق البيئة المناسبة لماني لنشر دعوته، فبدأ منها، وقد أقبل الكثيرون على ديانته، حيث كان صاحب خبرة كبيرة في عالم الأديان وكان رحالة تجول من اقصى الشرق الى اقصى الغرب وتعرف على ديانات ومذاهب متنوعة وتعلم منها المفيد وتجاهل منها المضر. أصبحت المانوية من الديانات السائدة في مساحة شاسعة من العالم القديم من آسيا الوسطى الى ايران، الشرق الاوسط الأدنى الى شمال آفريقا. وهناك عدد كبير من الشخصيات التاريخية الشهيرة كانت من اتباع ماني من أهمها سانت أوغسطين، القديس صاحب كتاب الاعترافات الشهير والذي انحدر من أصول آمازيغية وقد تحول أخيرا الى المسيحية. واجه المانويون ضغوط كبيرة في أكثر البلاد التي اقتطنوها، وأخيرا انتهى الامر لماني بالقتل على يد ملوك الساسانيين في العراق؛ ولكن رغم ذلك استمرت المانوية كديانة وجماعة في العراق الى العصر العباسي، حيث قام الخلفاء العباسيين بقمعهم بشكل ابادة جماعية، والجميل في قصة انقراضهم هو أن أحد أسباب ذلك يرجع الى معتقد لديهم بحرمة الكذب في كل الأحوال ولو بقصد التقية والدفاع عن النفس، وبما أن الخلفاء كانوا قد عرفوا ذلك فكان من السهل معرفة المانوية وقتلهم بحيث كانوا يسالون كل من هو مشكوك في مانويته: هل أنت مانوي؟ وطبعا كان يجيب أنا مانوي! وآنذاك كانت السيوف تحصد ارقابهم وتبيدهم واحدا تلو الآخر. ومن مفارقات التاريخ الاسلامي الممتلئ بالتناقضات أحيانا أن أحد المتهمين الاصليين في وضع الاحاديث المجعولة هم المانويون، يا ترى كيف يقوم هذا الانسان البسيط الذي لا يجوّز الكذب لحفظ حياته بالجعل والوضع في الاحاديث؟ وما هي الفائدة وما هو الغرض من ذلك؟ ولكن يبدو أن عقلية المؤامرة متاصلة فينا تاريخيا واجتماعيا.
نعم، ذكرني سعد بالمانوية وكيف أنهم انقرضوا في سنين قصيرة رغم استمراهم عبر قرون في وادي الرافدين. رغم تمايلي الشديد للتفاؤل ولكن ليس من غير المحتمل أن نشاهد انقراض آخر عدد من كنز آخر من كنوز المجتمعات الانسانية في العراق، وشأنهم شأن اليهود الذين انقرضوا خلال عقود قليلة، بل هم اسوأ حالا لأن اليهود كان لهم من يحتضنهم ويحافظ على ثقافتهم وتراثهم؛ وأما الصابئة قد انتشروا وتفرقوا في بلاد مختلفة لا تمت نهائيا بثقافتهم وتراثهم.
أحب تفاؤلات سعد سلوم في مقالته حيث يقدم لنا صورة مختلفة عن ظاهر العراق، فيبتعد عن فقاعات عالم السياسة ليدخل في اعماق النسيج الاجتماعي العراقي ويقدم لنا صورا عن التنوع الثقافي والعرقي والديني في العراق، رغم غلبة ثقافة الاغلبية التي يريد البعض أن يجعل منها هوية شاملة لعراق أحادي منحصر بها وطاردا لأي حالات من النشوز والاختلاف. وكم بشع – وفي نفس الحال مستحيل – هذا المجتمع الذي تحكمه هكذا وحدة!
http://www.almadapaper.net/ar/news/260930/كشف-حساب-مع-الاحتلال-الأميركي-للعراق-22

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *