تنافر المذاهب وتحليل المناطق الرمادية بينها

عادة تظهر مناطق رمادية بين المذاهب المجاورة تحمل الكثير من الاشتراكات والتفاعلات المتبادلة بين اصحاب المذاهب. ولذلك نرى تقاربات واشتراكات بين الاديان والمذاهب المجاورة، وعليه يقوم الباحثون بتصنيف المعتقدات ضمن طبقات واصناف كما يفعله علماء الانثروبولوجيا بخصوص اعراق واجناس البشر. فهناك الاديان الابراهيمية والاديان الشمنية وديانات عبادة الاجداد وغيرها من الاصناف المعروفة في انثروبولوجيا الاديان.
وشهد العراق بوصفه بلد ذات تنوع انساني هائل، نماذج وحالات كثيرة من التبادلات والتفاعلات بين اديانه ومذاهبه التي انتجت تقاربات واشتراكات كبيرة بينها. وتعتبر المناطق المشتركة، بيئة خصبة للتعارف على الآخر ونشر التسامح بين اتباع الاديان والمذاهب، والتي سميتها بالمنطقة الرمادية بوصفها منطقة تحمل اللونين في آن واحد. وعادة ما تظهر حالات تنافر وخصام في حالات انكماش وانسحاب الرماديات بين الاديان، وتستعد كل من اطراف التنافر لتجديد قراءتها للدين بشكل مختلف عن الآخر لتبني هوية تنافرية عوضا عن الهوية الجماعية التي كانت تجمعهم مع الاخر بفضل وجود الاشتراكات المتقلصة. لتوضيح الصورة بشكل اجلى لابد من ذكر الامثلة والنماذج.
ما عرف عنه ب‍ “التسنن الاثناعشري” في تاريخ تطورات الفكر الديني في الشرق الاوسط من ابرز النماذج للتقارب الشيعي – السني الذي ظهر وتطور في العراق وايران بشكل خاص والذي يمكن تتبع جذوره من حدود القرن الثالث الهجري بوصفه فترة تاسيس المذاهب الى القرن العاشر تقريبا متزامنا مع الصراع العثماني الصفوي الذي افنى واباد الكثير من التقاربات بين شعوب وطوائف الشرق الاوسط. التسنن الاثناعشري وهو اسم اخترعه بعض المستشرقين تعبير دقيق لجماعة واسعة من علماء المسلمين واتباعهم الذين كانوا من اتباع احد المذاهب الفقهية السنية المعروفة وايضا اتباع احد المذاهب الكلامية السنية المعروفة ولكن في نفس الوقت كانوا يوالون ائمة اهل البيت بنفس الترتيب والتوالي الرائج بين الشيعة من الامام الاول الى الامام الثاني عشر موالاة روحية عميقة تصل الى حد الغلو في بعض الاحيان. وعليه من يتابع كتاب “تذكرة الخواص” لسبط ابن الجوزي حفيد العالم الحنبلي العراقي الشهير، ليشاهد بكل عجب تعابير وروايات وكلمات شيعية من حيث جوهر الولاء لائمة اهل البيت. وفي الجانب الفارسي، كتاب “روضة الشهداء” للملا كاشفي العالم السني الشافعي الشهير يعتبر اول مقتل للامام الحسين باللغة الفارسية والذي كان له من الصدارة والانتشار الى حد ان الايرانيين قد سموا مجلس عزاء الامام الحسين بال”روضة خواني” والتي معناها قراءة كتاب روضة الشهداء للكاشفي. والنماذج من هذا القبيل كثيرة جدا.
وفي الجانب الشيعي، ما عرف عنه بتيار “الشيعة الاصولية” – وهو مختلف عن الاصوليين في مقابل الاخباريين – في القرن السادس بالتحديد يعتبر نموذج بارز للتقارب مع الآخر تقاربا اجتماعيا حقيقا نتج عنه تقارب فكري واعتقادي. يكفي ان نراجع كتاب كشف الغمة للاربلي العالم العراقي الكردي الشيعي – وانتبهوا لتراكم الهويات وجماليتها وغرابتها في عصر التنافرات البغيضة – لنشاهد اسلوب بياني مختلف نشا عن قناعات مختلفة تماما والتي كانت سائدة بين الشيعة في تلك الازمان، فمن باب المثال يستخدم بشكل طبيعي وضمن سياقات كلامة طلب الرضوان للخلفاء الراشدين دون اي تحفظ او تقية، والكتاب الضخم الشامل لثلاثة مجلدات وعدد غفير من الروايات الشيعية يخلو تماما عن مظاهر الحقد تجاه الاخر والمغالاة والتعصب تجاه الانا. والنموذج الابرز منه هو كتاب “النقض” لعبدالجليل القزويني الرازي وهو من کبار علماء مدرسة الري، ويتحدث لنا فيه عن آراء لغالبية شيعة ايران تبدو غريبة و نادرة اليوم، و ينقل آراء لبعض الشيعة في عصره و هي سائدة اليوم و يتعبرها آراء لحشوية الشيعة و يقول هم قليلون جدا في عصرنا. منها: الاعتقاد بصلاح الخلفاء الثلاث الأول و الاذعان بجهودهم في ترويج الاسلام و أنهم من السابقون الأولون في الاسلام رغم الاعتقاد بأحقية الامام علي لمنصب الخلافة و يعتبرون ما فعله تلک الخلفاء في تقديم انفسهم علی الامام علي هو اجتهادا خطأ نشأ عن حرصهم في حفظ الاسلام وينقل ايضا اشعارا من الشعراء الشيعة في مدح الخلفاء ؛ الاحترام و التجليل بالنسبة الی ائمة أهل السنة و الاذعان بصلاحهم ومکانتهم الدينية المميزة؛ نقد و ابطال معتقدات ما يسميهم هو غلاة و حشوية الشيعة من تأويل بعض الآيات في الخلفاء الثلاث باعتبارهم أعداء لأهل البيت و بعض الروايات کارتداد الناس کلهم بعد الرسول و مشارکة بعض اجلة الصحابة في اغتيال النبي في عقبة و … و الملفت للنظر أن تلک المعتقدات لم تکن نادرة، بل کانت منتشرة في عدد کبير من علماء هذه المدرسة و کثير ممن کان قبلهم من علماء مدرسة بغداد و خراسان.
والنماذج في هذا الباب كثيرة الى حد انه بالامكان ان تؤلف مجلدات في هذا الخصوص. ورغم أن الصراع العثماني الصفوي كان ابتداء الشرخ بين الشيعة والسنة وانهاء المناطق الرمادية بين المذاهب، ولكن باستطاعتنا لحد الآن ان نشاهد من الرماديات ما يلفت النظر. أذكر صديقي صائب عبدالحميد، كان يذكر لي كثير من الاشعار والاذكار والاوراد الدينية التي كانت تقرا وما زالت في المجالس الدينية لاهل الانبار والتي تتضمن تجليل وتقديس ائمة اهل البيت. أضف عليه ما تعود عليه الكثير من سنة العراق على القيام بمجالس عزاء الامام الحسين في كثير من مناطق العراق، واضف عليه وجود طبقة واسعة من سنة سامراء وهم سادة هاشميون ذوات اصول وانساب صحيحة من احفاد ائمة اهل البيت، واضف عليه الطوائف الصوفية التي تعتبر ملتقيات بين المذهبين الشيعي والسني. وللحصول على شهادة حية في هذا الباب تابعوا ما كتبه ظافر العاني بعنوان “سلام الله عليك يا علي الشرجي”.
وللاسف نشاهد اضمحلال وتحليل هذه النماذج الفسيفسائية الجميلة شيئا بعد شئ. والسبب ليس الا التطرف من الجهتين الذي ينتج ردا معاكسا في صياغة ديالكتيكية ناتجة لنطفة مشتركة خبيثة وهي البغيضة والتنافر والحقد والكراهية. ومن الطبيعي حين ينحرف كل من الطرفين من نقاط الالتقاء الى نقاط الافتراق لاعادة صياغة الهوية الجماعية للطائفة، ستكون النتيجة الافتراق اكثر فاكثر الى حد التنافر والابتعاد المطلق. والنماذج هنا ايضا كثيرة. حين يقوم الشيعي بتوجيه اهانة مباشرة لشخصيات مقدسة للسنة خارجا عن اطار الادب والاخلاق وقواعد البحث العلمي، سيدفع المقابل بالتخندق في هوية تفصله عنه تماما وحذف او تعليق كل ما هو يسبب قرابة بينهما؛ والعكس حين يتهم السني شيعة العراق بانهم اهل البدع او غير عراقيين او اصلاء فسيدفع الشيعي بالتخندق اكثر فاكثر في زوايا من هويته التي تكون منغلقة على الآخر، وبالتالي يحول الاتهام الى حقيقة بالتدريج. وهنا تبدا كل طائفة باعادة قراءة التاريخ للبحث عن رموز دينية تساعدها على بناء هوية انعزالية تنافرية وستبدا مسابقة الاختلاق والتلاعب بالحقائق التاريخية والتاويل غير العلمي. ومن ابرز النماذج ما نشاهده من تقديس مختار وهو اساسا لا ينمتي الى التشيع الامامي وقد ربط مصيره بمحمد الحنفية وليس بالامام السجاد باعتباره الامام الشرعي في زمانه، ولم يذكر التاريخ اي محاولة منه للتواصل مع الامام السجاد او الاستئذان منه في ما قام عليه من انتقام لقتلة الحسين. ولكن هذا كله لا يهم لمن يريد ان يلتقط من التاريخ ما يساعده على بناء العداء وتقويم صناعة الانتقام والثار، فمن يكون افضل من مختار لهذا المطلوب. ومن الجهة الاخرى شهدنا ما ظهر من رد فعل تجاه ما قاله الكبيسي في ذم معاوية بوصفه سلطانا جائرا، وقد ذكر طه الدليمي بصراحة اننا اذا تنازلنا من معاوية ستتقدم الشيعة للطعن في أشخاص آخرين من رموز السنة، متناسيا تماما ان الفترة العباسية والتي دامت خمسة قرون كان من ابرز معالمها التبري من الخلفاء الامويين باستثناء الطيب منهم، وعليه لم يكن معاوية رمزا للسنة في تاريخهم الا في فترات بناء الهويات التنافرة والتي لم تحصل على افضل منه.
استنتاجا لما ذكر، بناء وتوسيع وتعميق المنطقة الرمادية بين مذاهب العراق سيخفف عن وتيرة العداء والتنافر المتقابل وسيخفف علينا الكثير من المتاعب والمشاكل في العراق. وما حصل اليوم في الانبار بأن متظاهرو الفلوجة قامو بزرع شتلات الزيتون وأداء صلاة الغائب على ارواح ضحايا الثلاثاء الدامي، وثم انهالوا بالضرب على مندسين رددوا شعارات طائفية وسلموا اربعة منهم للشرطة، بادئة خير، واوافق راي صديقي احمد عبدالحسين بأن تصريحاً عاقلاً واحداً للسيد مقتدى الصدر نجح في تهدئة نفوس خلق كثير!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *