نسبيات عالم السياسة بين واقعية البرغاماتية واستحالة اليوطوبيا

ذكر علي الوردي ضمن نقده للشخصية العراقية، تمايلها نحو الاطلاقيات والمطلقات، إما أسود إما أبيض، نعم نعم او كلا كلا؛ وقد فصل كعادته في ذكر الامثلة. بعيدا عن تقييم هذه النظرية، ولمجرد استيحاء لسرد ما اريد ان اكتب عنه، تُمثل مواقفنا السياسية ونقدنا لها عند الآخرين أحد أبرز نماذج الاتجاه الإطلاقي.
كثيرا نسمع نقدا بأن كيف تغير موقفا سياسيا مناهضا لشخص معين الى موقف مختلف موافق، والذي يقدره الكثير نوعا من المراوغة والنفاق والقذارة السياسية. إذن لا يجوز ولا يصح أن يغير أحد من مواقفه وتحالفاته، وكأنه أصحاب هذه النظرية يعتبرون المواقف السياسية ثوابت يجب أن يحافظ عليها الشخص طوال حياته.
أتصور يجب هنا أن نفصل بين مستويين من التحليل: مستوى المبادئ العامة الفلسفية ومستوى العمل المتغير وفقا لمتطلبات المرحلة. فقد أتفق مع أصحاب الإطلاقات والمطلقات الى حد ما بأن الشخص المتزن يجب أن يتحلى بقدر من الثبات وعدم التغيير في المستوى الأول؛ فمن باب المثال التحول من المسار الديمقراطي الى الاستبدادي او من منتهى الليبرالية الى منتهي الاشتراكية يمثل خللا في المواقف ويدل على عدم الإتزان وفقدان المبادئ. ولكن في المستوى الثاني لا ضير في تغيير التحالفات وفقا لما نراه أكثر مصلحة وأقرب الى المبادئ الرئيسية الكبرى، وهذا ليس فقط لا يدل على النفاق والمراوغة الزاما، بل يدل على حنكة سياسة والقدرة على تقدير الأمور وفقا للمتطلبات والمتغيرات الواقعة.
الحقيقة أن عالم السياسة لا يمكن أن تفهم وأن الشأن السياسي لا يمكن أن يدار بالنظرة الإطلاقية أبدا. والسبب يرجع الى حقيقة مهمة كشفها مونتسكيو حيث قال في كتابه روح القوانين بأن السلطة في ذاتها فاسدة وتراكم السلطات يعني تراكم الفساد. فلا يوجد قديس في عالم السياسة وكل من تسلم زمام أمور سيكون مستعدا للفساد والطغيان بقدر ما يملك من سلطة ونفوذ على رقاب الآخرين. اسمحوا لي اعبر عنه بالتعبير الديني: “إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى”. وبعد ما اكتشف مونتسكيو هذه الحقيقة – المُرة طبعا – قدم لنا حلا ذهبيا وهو أن تقسم السلطات بقدر الامكان وتجعل كل منها رقيبا على الأخرى لتستطع أن تقلص من الفساد – وطبعا لا يمكن انهاءه مطلقا – بقدر الامكان.
منطق الإطلاقات والمطلقات ينهينا من جهة أخرى الى كوارث إجتماعية وسياسية. فأصحاب هذا المنطق عادة يأخذون منحى الثورات، لأنه ليس بإمكانهم التعامل مع الواقع الموجود بانعطاف وليونة وأخذ وعطاء، بل يريدون المطلق بكل اطلاقه؛ إذن لنذهب نحو الثورة، ولكن حين تنجح الثورة وتظهر الخلافات، سيقتضي منطق الاطلاق بحذف وإقصاء المخالف الأضعف، وهكذا تستمر العملية الى أن لا يبقى سوى شخص واحد وعدد كبير من قطيع أتباعه. ولا تتصورا أنه سينتهي هاهنا وستصفى الامور، بل استمرار أيدئولوجية الاطلاقات تقتضي خلق عداء وأعداء ليقوم الفرد بمناهضتها ليستمر في حياته.
وأيضا حين ننظر تاريخيا وحين ندرس إجتماعيا تجارب المصالحات الوطنية الكبرى في العالم – والتي أرى من الضروري متابعتها وتحليلها ومعرفتها لنا كعراقيين باحثين عن نموذج ناجح من المصالحة والتعايش المشترك – سنشاهد أنها كلها حدثت على أساس الإعتقاد بالنسبية والابتعاد الكامل من الاطلاقات والمطلقات. لنأخذ تجربة جنوب أفريقا حين توصل نلسون ماندلا الى أن الحركة المسلحة لن تخدم أهداف السود لايجاد مجتمع عادل يساويهم باخوانهم البيض وأيضا توصل البيض الى أن استمرارهم في نظام الآبارتايد اصبح غير معقول وغير نافع اقتصاديا واجتماعيا ودوليا، فهنا ظهرت نقطة الاشتراك بين تيارين كانوا في منتهي الخلاف طوال اكثر من قرن. أضف نموذج الهند وتحريره من بريطانيا على يد العظيم مهاتما غاندي وأيضا تحرير السود في أمريكا … والقائمة طويلة جدا. كما أن النماذج من فشل الاطلاقيون كثيرة أيضا بدءا من الاتحاد السوفيتي الى كل من اراد أن يحول العالم الى جنة فانتهي به الامر الى إشعال الجحيم لشعبه.
والعراق ليس بمستثنى عن القاعدة؛ فلا يوجد مطلقٌ ممكن؛ الممكن هو النسبي، خذ الميسور وأعط بالميسور. تصوروا إذا كان صدام قد توصل الى هكذا قناعة وقد بدأ بالتغيير في نظامة ولو تغييرا يسيرا تدريجيا ينهينا الى نظام ديموقراطي حقيقي في بعيد الامد، الم يكن هذا افضل بكثير مما حدث لنا رغم كل بشاعة صدام. ومن الامثلة القريبة إذا كان بشار الاسد فعل بمثل ذلك، الم يكن افضل مما يحدث الان في سوريا. ومن الجهة الاخرى الا تتصورون أن اكراد تركيا سيحصلون على كثير من اهدافهم ومطالبهم بعد ما تنازل اوجلان بصراحة عن العمل المسلح؟ صدقوني لا يوجد حل سوى منهج الاخذ والعطاء في التعاملات السياسية! فلا نصنع قوائم سوداء تشمل طوائف او قوميات او احزاب او شخصيات لا نريد ان نتعامل معها مطلقا وفي كل الاحوال! لنكتفي بالاقل اللازم من المبادئ العامة ولنفتح المجال للتعامل مع كل الجهات التي تساعدنا على الوصول الى القدر الممكن مما نحلم به في العراق.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *