دور المخيال الجمعي في صناعة العدوّ

الانسان كائن مخيالي اكثر مما هو يتصور أنه يعيش في الواقع؛ هذا ما اكتشفه كانط في نقد العقل المحض، وبين كيف المقولات الذهنية تصيغ وتصبغ مستورداتنا من عالم الواقع. وعليه ما نتخيله يؤثر بشكل مباشر في فهمنا للواقع وعن هذا الطريق يؤثر بشكل جادّ على قراراتنا في الحياة. إذن حياتنا الفردية والإجتماعية تتكون بشكل اساسي متاثرا بتصوراتنا، والانسان يبقى نهايتا كائن غير موضوعي (Subjective and not Objective) بنسبة كبيرة. قد قدّم فلاسفة الخطاب (Discourse) وفي رأسهم ميشل فوكو دراسات كثيرة في عملية تكوين المخيال الجمعي وكيفية تاثيره على خياراتنا وظهوراتنا في عالم الواقع.
ما اريده هنا التركيز على مثال بارز ونموذج مهم لتلك المقولة الفلسفية. حين ندرس تاريخ العداءات والحروب في العالم، سنجد الكثير منها تكونت على أساس تراكمات تاريخية واجتماعية للمخيال ولم تكن ناتجة عن ظروف عداء حقيقي او كانت تلك الظروف ضئيلة جدا لا تستحق القتال بشكل ما حدث. الحربان العالميان من ابرز النماذج لما سلف. بلغ عدد القتلي في الحرب العالمية الاولى ما يقرب الى عشرين مليون من الجنود والمدنين، وفي الحرب العالمية الثانية هناك تخمينات ما بين خمسين الى سبعين مليون قتيلا. وحين وضعت الحرب اوزارها وابتعدنا تاريخيا عن ظروف الحماسة الحمقاء التي كانت مستولية على كل الاطراف آنذلك، نستطيع ان نرى الآن كم كانت تلك الظروف المؤدية للحرب تافهة وسخيفة بالنسبة لما خسرناه. وهذا هو الدرس العظيم الذي تعلمته شعوب اروبا.
وأما النموذج الاقرب الينا زمكانيا هي الحرب العراقية الايرانية. للأسف ليس هناك تقارير موضوعية ودراسات علمية كافية بخصوص تلك الحماقة الكبرى ولكن لا يشك احدا في كبر فجاعة تلك الحدث. خسر الطرفان الكثير والكثير من النفيس بلا فائدة! أنها لهي الحماقة الكبرى.
والآن أرى وضعنا يشبه ظروف التورط في حماقة من هذا النوع. فئات كثيرة من الشعب متحمسة ومنفعلة تجاه الآخر وتيار الاتهام والسب والشتيمة يمشي بسرعة والاطراف بدأت تنشد اهازيج الحرب ورجز القتال، والاطراف الخارجية كما كان دوما تفكر فقط في مصالحها في وسط هذا الضجيج وتصعد من فتيل النزاعات بين حين وآخر. وخوفي من أن نرجع الى الماضي في السنوات القادمة ونشاهد مدى حماقة ما ارتكبناه بحق انفسنا واهلنا وجيراننا. أرى الكثير من صورة العداء الموجود بين الاطراف العراقية مصنوعة متاثرا بالمخيال ولا واقع له. وللاسف الكثير من الزعماء من السياسيين والجهات الدينية وشيوخ العشائر تشارك وتساهم بقوة في دعم وتسخين صورة العداة تجاه الآخر لاسباب شخصية احيانا او مصالح ذاتية، ولو أنها تختبئ عادة تحت زرورق براق من الشعارات الوطنية والدينية.
لنفكر قليلا قبل أي قرار من التحدث بكلمة او نشر موضوع في الفيسبوك او غيره، هل هو يساهم في صناعة العدوّ وتضخيمه في المخيال الجمعي؟ او يخفف من ذلك محاولا لإيجاد تفهم وتفاهم متقابل مستهدفا الوصول الى مصالحات حقيقة وأجواء الثقة والتسالم والعيش المشترك في ارض تستوعبنا جميعنا بل اضعافا منا بخيراته ونعمها الوافرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *