شعوب صغيرة في دويلات كبيرة

في الذكرى الثانية لاحتجاجات شباط
والشكر لسعد سلوم لتذكيري بالمناسبة
خضعت مجتمعات الشرق الاوسط العربي منذ استقلالها اثر سقوط الخلافة العثمانية ابتداء القرن المنصرم، لديكتاتوريات ملكية او عسكرية، ولم تنعم بالديمقراطية ولم تجرب المشاركة السياسية بالمعني الحقيقي لها. وقد تمثل الحضور الجماهيري في هذا القرن في مظاهر التاييد للثورات العسكرية الواقعة واحدة تلو الاخرى، والتي رافقها غالبا مظاهر من العنف ضد المخالفين من انصار الحكومات السابقة او التيار الليبرالي العلماني الذي كان ينادي بالاخذ بالتجربة الغربية وتاسيس دولة مدنية بعيدة عن الايدئولوجيات القومية والدينية. وعليه ما ظهر من ثورات اجتماعية واسعة النطاق ابتداء من تونس الى ليبيا، مصر، اليمن، بحرين وسوريا فاجئت الكثيرين من المحللين والمتابعين لاحداث المنطقة، رغم غلبة الشعور بعدم التفاءل او على الاقل الغموض بالنسبة لمستقبل الثورات وما يخلف عنها؛ وهو ما أيدتها الاحداث المستقبلية وخاصة في مصر وسوريا اثر ظهور التيارات الأصولية وحصادها لكثير من نتايج الثورة لصالحها وسعيها للانفراد بالسلطة وإعادة تأسيس الديكتاتوريات المنصرمة بإبدال الايدئولوجيات القومية بالدينية.
ونحن ما زلنا في دوامة التجارب الخاسرة ولم نتعلم حكمة: “من جرّب المجرّب حلّت به الندامة”. لقد اشتهر عن الرسول أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرّتين، وأما نحن مستعدون لنضغ كل ما لدينا في حجر العصبيات البغيضة بمجرد تغيير لونها قليلا. فلقد لخص تاريخنا ابن خلدون في عبارة واحدة ليست الا: تظهر عصبية فتكسح وتسيطر وتستقر وثم تزول بعصبية أخرى. لا يوجد لدينا تراكم تاريخي .. ذاكرتنا قصيرة الامد .. وكل يوم ولابد أن نبدأ من الأول، نبني ونصنع ومن ثم نهدم وندمر. فلا نتعلم الخروج من دوامة العصبيات الى بر أمان العقلانية المدنية.
إسمحوا لي اسرد لكم قليلا بعض أحلامنا التي سرعان ما تحققت كوابيس مرعبة. حلمنا بوطن عربي واحد بعد التخلص من همينة العثمانيين فكانت النتيجة إبادات جماعية قمنا بها ضد الآشوريين والأكراد واليهود والمسيحيين وغيرهم من أبناء جلدتنا والذين هم سبقونا وضيفونا على أراضيهم الى أن أصبحنا نطالبهم بالاستعراب والتخلى عن هويتهم التاريخية الاكثر تحضرا منا غالبا. وحلمنا بالأشتراكية الشيوعية فكانت الثمرة ثورات وانقلابات همجية وغالبا ما مرافقة بأشكال مرعبة من العنف. وهل تعرفون ما هي أسوأ كوابيسنا؟! هي التي مزجنا فيها عصبيات عدة لننتج مولتي أيدئولوجيا .. وما هذا الشغف بالعصبيات؟ حين تمزج العصبية القومية بالدينية بالطائفية بالقبلية هذا معناه إعطاء قوة أكبر وأضخم لماكنة الدمار والهلاك.
ذرونا من أحلام التاريخ البعيد ودعوني اسرد لكم أحلامنا البائدة بعد الربيع. حلمنا بإزالة الديكتاتور الكبير فظهرت لنا عدد كبير من السلاطين الصغار والذي كل منهم يريد أن يتحكم على مصيرنا بأية طريقة كان باسم الدين والطائفة والقبيلة وغير ذلك؛ وحلمنا بحكم مدني ديمواقراطي فحصلنا على أستبداد ديني وأجتماعي يحرمنا من ابسط حقوقنا وطائفية بغيضة؛ وحلمنا بالحرية فتضيق علينا الخناق أكثر فأكثر فمنعت الكتب عن النشر وأغلقت النوادي والحانات وانتشرت ثقافة الجهل والكراهية والعنف في كل زوايا حياتنا، نعم إنها ما زالت حرية ولكن حرية الجهل والخرافة والعنف؛ وحلمنا بالفيدرالية فظهر الشقاق والخلاف والتقسيم. فأصبحت أخاف أن أحلم، أخاف من تعبير الأحلام، أخاف من المستقبل ..
هل رأيت النعامة حين يطاردها الصياد فتضع رأسها في التراب لتشعر بالأمان .. ونحن احيانا نشاهد حقائق نخاف من تعبيرها فنغمض أعيننا لنلجأ الى أحلامنا .. ولكني لا اريد أن أحلم بعد .. الحقيقة لا وجود هناك لمفهوم الشعب في كثير من بلادنا الشاسعة الاراضي. الشعب في منطق العلوم السياسية لا يعني مجرد تكتل بشري يمكن أن يظهر في أي منطقة من العالم؛ بل هو شعور بالهوية المشتركة التي تجعلنا نلجأ بعضنا الى البعض لنكون وحدة اجتماعية حقيقية قبل أن تبرز بتاسيس دولة معبرة عن تلك الوحدة.
هناك أزمة هوية، في الشعور بالهوية، في التعبير عن الذات، في علاقة الأنا بالآخر .. ولذلك سعينا دائما لحلحلتها عبر التغلب على الخلاف وانتاج تناسق وتمازج بالقوة عبر الغاء الآخر .. ولكن المشكلة أنه كلما حذفت مخالفا يظهر لديك خلاف جديد وهكذا تعمل دوامة العصبيات والآيدئولوجيات التي تحاول فرض النمط الواحد والهوية المختلقة الزائفة على التنوع والتعدد الذي لم ينمو الى حد إنتاج هوية اجتماعية قادرة على تكوين شعب ومن ثم دولة وأخيرا حضارة.
لقد خسرنا مكونات عديدة بالتمام، شئ يشبه بالانقراض لأجناس من البشر: أين هم اليهود الذين عاشوا قبلنا وساهموا في بناء حضارتنا وتكلموا بلغتنا واختاروا لبس زيّنا .. وأين هم الاقليات القومية التي هاجرت الينا من الهند وآسيا الوسطى وايران وغيرها .. وأين هم البهائيين الذين صنعوا ديانتهم في بلادنا وأرادوا أن يعيشوا معنا بسلم وأمان ولكن مع اختلاف في العقيدة والايمان .. وأين هم الفرق الصوفية التي كانت منتشرة في أنحاء مناطق العراق وخاصة ما عرف عنها بالمناطق السنية .. وأين هم الاخبارية والشيخية .. قُتلوا وهُجّروا وسُفّروا وشأنهم شأن ما سلفهم من المانوية والاسماعيلية والقائمة طويلة .. وخوفي بل ارتعب خوفا حين أفكر في المستقبل غير البعيد إن أجبرت على تطويل القائمة أكثر فأكثر وأضيف: أين هم المسيحيين الكلدان والآشور والأرمن والأرثوذوكس وأين هم الصابئة المندائيين أصحاب المياه وتيجان الزيتون وأين هم الشبك والأيزيدية ووو …
أسمحوا لي اجتنب الهروب من الحقيقة وأصرّح بأننا ما زلنا مكوّنات مشتتة اجتمعت بالصدفة التاريخية في ارض واسعة، وما زلنا لم نفلح ببناء هوية تجمعنا كشعب واحد ذات ارض واحدة. فإذا التقسيم هو الحل فليكن، كل يأخذ براحلته ويذهب الى مصيره. فليتقسم العراق الى عراقات من كردية وسنية وشيعية ومسيحية وصابئية وغيرها؛ ولتنقسم بغداد الى بغدادات؛ وهناك ما يكفي من الثروة للجميع .. فما فائدة عراق لا يتنعم فيه العراقيون، فالوطن لا قيمة له بلا مواطنية، لا اريد عراقا موحدا ترهق دماء شعبه لبقاءه موحدا، ليس هناك قيمة أسمى من الانسان العراقي في هذا البلد كي نضحي بهذا الانسان من أجله، مهما كان من دين او قومية او ارض وغير ذلك. إذا نريد أن ننقسم فلننقسم بسلم وأمان دون أن ترهق دماؤنا وتقتل أبناءنا. هاهي اسكاتلندا تستعد للتصويت على الاستقلال من بريطانيا في السنة القادمة، فلنقم بمثل ذلك.
ولكن هل ستنحل المشكلة بعد التقسيم .. لا أرى ذلك في ظروفنا الحالية، لأن التقسيم سيجلب تقاسيم اخرى، ستنقسم كل من بغداد الشيعية والسنية الى تقاسيم أخرى وكل منها الى أخرى؛ لأنه كما أسلفت سابقا كلما محونا خلافا سيظهر خلاف جديد وسنعمل على مشروع التقسيم مرة أخرى وأخرى وأخرى .. وسترهق الدماء من أجل ذلك مرارا وكرارا ..
المشكلة ليست في الخلاف والتنوع والتعدد؛ بل هي في مصادر تحويل الخلاف الى نزاع، الى قتال، الى حرب .. وهو العصبيات والايدئوجيات المختلفة والمتنوعة .. المشكلة في الخلط وعدم الفصل بين الشأن العام والخاص .. في محاولة إضفاء هوية الجماعة على البلد من قبيل مختلف الجماعات .. لا تسمحوا لأي مرجعية بامكانها أن تتحول الى عصبية او ايدئولوجية بالتدخل في الشأن العام وقيادة جماهير نحو أهداف سياسية، قبيلة كانت او عشيرة او مؤسسة دينية او حزب اسلامي شيعي كان او سني وغير ذلك. صدقوني لا حل لأزمتنا غير ذلك والنماذج كثيرة من نجاحات الدول المتحضرة للسيطرة على ازماتها والانطلاق نحو التحضر؛ ومن نماذج فشل بسبب منح الفرصة للدين او العشيرة او القومية بالتدخل في الشأن العام للبلد ولا ارى حاجة لذكر الامثال لبداهتها وكثرتها. الانتخابات المقبلة قريبة والوقت يداهمنا فلنعمل سوية على ايجاد تكتلات مدنية وايصال صوتنا الى اكبر عدد من الناخبين. وما حدث في احتجاجات شباط قبل عامين نموذج رائع من قدرتنا على الانطلاق على أسس مدنية علمانية بعيدة عن تدخل رجال الدين وشيوخ العشائر والخطباء الذين لم ينتجوا خيرا حين يتدخلوا في الشأن العام ويقودوا الجماهير نحو أهداف سياسية تكون مدمرة في الغالب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *