أحمد القبانجي: قضیة وليس شخص

تعرفت على أحمد القبانجي قبل حوالي عشرين سنة في مدينة قم. كان لديه مؤسسة لترجمة النصوص العربية الى الفارسية وبالعكس. التقيت به في تلك المؤسسة لأول مرة وجرى بيننا حديثا لم يخلو عن قليل من الشجار والنقاش الهادئ. كان آنذاك محافظا دينيا وثورويا سياسيا متصلبا في عقائده لا يقبل النقاش بسهولة في ما يعتبره من الضروريات الدينية، إذ كنت آنذاك شابا مراهقا بدأ يقرأ للجابري وأركون وابوزيد في الجانب العربي و سروش وشبستري وملكيان في الجانب الفارسي. جرى الحديث بيننا في مسئلة جوهرية وهي ولاية الفقيه، هل هي ظاهرة حديثة طافت على خلفيات مياه سياسية واجتماعية أكثر من أن تكون دينية وفقهية أو أنها ظاهرة فقهية متأصلة في الفقه الشيعي. ويمكنكم الحدس أن أي منا كان في أي جهة؟!
جرت الأيام وتحولنا جميعا، فظاهرة التحول إعتبرها إيجابية تدل على النمو والنشاط الفكري. وللتحول مسارات مختلفة بعدد الأنفس، فكل منا يختار طريقته للتعبير عن ما يحدث داخله من تغيير وحركة وإبداع. فسار الرجل الى أقصى ما كنت أعتقد من نقد وتحليل للظواهر الدينية والدين نفسه كظاهرة قابلة للنقاش. ولايهمني هنا ما هو الحق او ما هو الباطل بقدر ما يهمني تسليط الضوء على ظاهرة أعتبر القبانجي يمثل صورة بارزه لها. ظاهرة احترام الآخر مهما كان يخالفني في معتقداتي الجوهرية وفسح المجال للبحث النقدي الذي أعتبره سببا مهما في تقوية ونشاط وتكامل المؤسسة الدينية والفكر الديني أكثر من أنه يسبب دمارا وتفليشا لأركان عقيدة المؤمنين. ولكم في العالم المسيحي أبرز وأوضح نموذج، إذ لا يمكن لأحد أن ينكر مكانة فاتيكان والمؤسسة الدينية المسيحية في العالم المسيحي وهي أكثر قوة ونشاطا ونفوذا – و من الواضح أني اقصد في مجال عملها – مما كانت عليه من إستبداد ديني في فترات كثيرة من القرون الوسطى.
أحمد القبانجي له الحق أن يعبر عن أرائه مهما كانت نقدية ومهما كانت تمسّ جوهر الدين والعقيدة باعتبار أن حرية العقيدة والتعبير عنها حق ذاتي كسبناها من طبيعة خلقتنا بوصفنا كوائن فكرية وليس لأحد أن ينترعها عنا أبدا وهو ما يعبر عنه بالتعبير الديني بالحق التكويني. أحمد القبانجي له الحق أن يخطأ بوصفه بشرا قابلا للسهو والخطأ والنسيان، وكلنا كذلك، ومن هو المتجرء على الحق والحقيقة أن يدعي ما وراء ذلك؟! أحمد القبانجي له الحق أن ينمو ويتغير ويغير من أفكاره ومعتقداته وقناعاته، وليس لأحد أن يستهزء به ويسخر منه ويلومه على ما كان عليه وما آل اليه وما سيؤول اليه. واسمحوا لي أن أعبر عن هذه الفقرة أيضا بالمصطلح الفقهي. القطع واليقين حجة وحجيتهما ذاتية لم تأت من أي جهة أخرى، وهذا معناه أن حجيتمها خارجة عن إطار التدين بل أوسع منه، ويلزم اتباعهما في كل الاحوال، بل اتفق مشهور الاصوليين من الفقهاء ما عدى عدد لا يعتد به على حجية قطع القطاع، أي الذي يقطع كثيرا، ولا تهم الاسباب مهما ومن أي نوع كانت فحسب المثل الفقهي: القطع حجة ولو من طيران غراب باعتباره مثلا لاسخف اسباب. ومخالفة القطع يعتبر تجريا في السياق الفقهي، فللشارع أن يعاقب المتجري ولو أنه أصاب الحقيقة بالصدفة.
أحمد القبانجي توصل الى نتايج وعبر عنها بكل وضوح وتفصيل وكان له الشجاعة الكافية لبيان ما اعتبره حقا وحقيقة وابتعد تماما عن كل مظاهر النفاق والدجل الذي ابتلينا به كثيرا في ظل سلطة فئة جاهلة تحكمت باسم الدين واعتبرت نفسها مالكة رقاب الدين والبشر وجلست مكان لا يجلسه رب العالمين نفسه، فانه قال بكل وضوح وتواضع علمي: قل إني او إياكم لعلى هدى او في ظلال مبين؛ ولكن هؤلاء اعتبروا أنفسهم كل الحقيقة وما يخالفهم في أدنى فقرة هو مرتد خارجا عن الايمان ويجوز عقابه بكل الطرق المشروعة وغيرها.
أحمد القبانجي لم يصدر أي فتوى لقتل او تعذيب أي أحد ولم يساهم في التضييق على الآخرين ومنعهم من حقوقهم الانسانية ولم ينتج فكرا الغائيا ضد الآخر. كل ما فعله الرجل هو التعبير عن ما توصل اليه من نقد لابعاد من الدين وبعض ظواهر التدين بكل خلوص وصراحة. فلماذا عجز مخالفوه عن التعبير عن آراءهم بنفس الطريقة، ولماذا إلتجأوا الى طرق غير قانونية وغير شرعية وغير أخلاقية لمناهضته، ولماذا يتشفون بما حدث له من محنة ويضيفون ملحا على جرحه وجرح أقربائه وأصدقائه. وهل نسوا أن القرآن يوصي: لا يجرمنكم شنئان قوم ان لا تعدلوا اعدلو هو اقرب للتقوى.
أحمد القبانجي مواطن عراقي لم يرتكب أي جريمة في الاراضي الايرانية وكل ما كتبه وعبر عنها – والذي تعتبره السلطات الايرانية انتهاكا لقوانينهم غير المبررة احيانا عقليا وانسانيا وحتى شرعيا في بعض الاحيان – لم يحدث في ايران. فليس لها الحق لمحاسبته او حجزه، بل كل ما يحق لها أن تمتنع من إعطائه التاشيره وإخراجه من ايران كمقيم غير مرغوب فيه، ولها الحق تماما في ذلك. لقد اشتهر في صفحات الفيسبوك انه يحمل الجنسية الايرانية، ولكن ما استطيع الشهادة به أني رايته يمتلك ما يسمى بالكارت الاخضر وثم الابيض (بطاقة هوية الاجانب في ايران) والتي تعني بكل دقة انه لم يحصل على الجنسية الايرانية. ولو صح أنه مواطن ايراني فهل للسلطة الايرانية أن تعتقل شخصا بدون قرار محكمة وتحجزه لمدة طويلة بدون اعلان اي مبرر قانوني وبدون اعطائه الحق ان يحصل على محامي او استشارة قانونية. وقيل ايضا كثيرا أنه ليس شخصا مهما بل مجرد مترجم بسيط لافكار لا تستحق المتابعة. أتساءل ولو سلمنا ذلك هل هذا يعني أن ما حدث له يمكن تبريره شرعا وقانونا واخلاقا؟ وماذا يعني حين تتفوه بذلك في محنة الرجل سوى الشتيمة والتشفي اللتان ليست من اخلاقيات ذوي المروة والكرامة.
وأخيرا شكر خاص لأعزائي رشيد الخيون وسعد سلوم الذان سبقاني في الكتابة عن القبانجي وسلمت يداهم. وعاشت أيادي الاصدقاء الغالين الذين ساهموا بكل ما يستطيعون في الضغط على السلطة الايرانية للافراج عنه وعلى السلطة العراقية لمطالبتها بالتدخل للدفاع عن حقوق مواطن عراقي يمرّ في محنة شديدة في بلد اجنبي، وهذا من أبسط ما تقوم به الدول وقد فقدناها في العراق مع حقوق المواطنة الاخرى وأصبحنا يتامي لا تعتني بنا الأم الوطن في البلد وخارجه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *