النص و التساؤل: دراسة هرمنوطيقية في نظرية الفهم عند محمدباقرالصدر

ظاهرة الفهم بوصفها المدخل الاساسي للمعارف البشرية الاخری، اکتسبت موقعا رئيسيا في الدراسات الفلسفية الحديثة؛ بل تجاوزت ذلک و اصبحت احد المواضيع الهامة لکثير من العلوم الانسانية الحديثة الی ان انتهت اخيرا الی تأسيس علما مستقلا بها، يشمل نظريات و مدارس عديدة کل منها لها رؤيتها الخاصة تجاه النص و کيفية التعامل معه. سنعرض في هذه الدراسة صورة اجمالية عن موضوع الفهم و العلاقة الجدلية بينه و النص و النظريات و المدارس الهرمنوطيقية علی اختلاف مناهجها، و سنحاول اکتشاف نظرية محمدباقر الصدر في هذا الموضوع.

شرح المفاهيم المفتاحية

هناک مفاهيم رئيسية في حقل الدراسات الهرمنوطيقية يجب تعريفها و تحديد معانيها ابتداء للتخلص من سوء الفهم الصادر من اضطراب تلک المصطلحات.
1. الفهم: هذا المصطلح کان يعتبر بديهيا في المنظومة الفلسفية الارسطية و منها ما يسمي بالفلسفة الاسلامية. فلا يمکن اعطاء تعريف له، لأن المعرِف يجب ان يکون اعرف من المعرَف و لا يوجد شئ اعرف من البديهي، و ايضا ان البديهي بسيط لا اجزاء له لکي يمکن تعريفه بالحد او الرسم. بل کل ما هو ممکن، شرح و بيان بعض لوازمه او کيفية نشوءه.1 عليه عادة يشرح الفهم بانه: تصور للماهية الخارجية في ظرف الذهن مطابقا لما هو في الخارج تماما. هذا ما يسمونه بالعلم الحصولي و ايضا قدموا قسيما له سموه بالعلم الحضوري و هو ما کان المعلوم من داخل الوجود الانساني کالعلم بوجود النفس و آثارها و حالاتها الوجودية.2 هناک مصطلح آخر للفهم يختص باحد اقسام العلم الحصولي، و هو ما يحصل عبر قناة اللغة – الشفهية او المکتوبة – فهذا النوع الخاص من العلم يسمي بالفهم ايضا و يستخدم في خصوصه بعض مشتقات الفهم کالافهام و التفهيم.3 و هذا بالذات هو المقصود من الفهم في هذا البحث.
2. النص: هو اداة اتصالي يستخدم نظام من انظمة العلائم للتواصل الوجودي بين افراد البشر و هذا التواصل يشمل التواصل المعرفي و النفسي و الاحساسي و غير ذلک من شؤون الوجود. و المقصود من العلامة هو استخدام اي شئ مکان شئ آخر، و الانسان بوصفه حيوان رمزي – کما وصفه امبرتو ايکو – له انظمة علاماتية عديدة يستخدمها في التواصل مع غيره، منها: اللسان، الايماءات، حرکات الجسد، الطقوس الاجتماعية و …4 المقصود من النص هنا هو خصوص النص اللغوي الذي يستخدم نظام علامات اللغة. النصوص اللغوية ايضا علی انواع و اقسام، و المقصود هنا هو النص الديني بالذات و هو: نتاج لغوي يعتبره اتباع احد الديانات نصا مرجعيا5 مقدسا6 يرجعون اليه في ممارساتهم الدينية من المعتقدات و الطقوس و غير ذلک.7
3. هرمنوطيقيا: اشتقت هذه المفردة من کلمة «هرمس» و هو رب النوع اليوناني الشهير و کان مهمته تفسير و شرح لغة الآلهة، فهو رب النوع التفسير – ان صح التعبير – و هو ايضا واضع اللغة و الابجدية.8 ما يعادله في التراث الاسلامي هو ادريس النبي فهو ايضا واضع الدرس و العلوم.9 استخدم «دان هاور10» مصطلح الهرمنوطيقيا لاول مرة في کتابه «الهرمنوطيقيا القدسية او منهج تفسير النص المقدس11» و کان يعتبر الهرمنوطيقيا منهجا تفسيريا و مدخلا لکل العلوم البشرية. و لکن ظهور هذا المصطلح بوصفه عنوانا لاختصاص علمي واسع هو بفضل جهود شلايرماخر (1768 – 1834 م) الفلسفية فحاول لاول مرة ان يکتشف قواعد و اسس لفهم النص المقدس تصون المفسر من الفهم الخطأ. کان شلايرماخر متاثرا بالنهضة الرومانسية التي ظهرت بعد مرحلة کانط في الفلسفة الغربية و کان يعتقد بوجود مفهوم ثابت للنص و الواجب علی المفسر هو المحاولة لاستکشاف ذلک من النص و الممانعة من تاثير الآراء و المعتقدات الشخصية في عملية التفسير.12 تحولت الهرمنوطيقيا بعد شلايرماخر و علی يد ويلهلم ديلتاي (1911-1833 م) بالتحديد الی منهج عام للعلوم الانسانية و نهاية اعطاه هايدغر منحا فلسفيا بحتا متاثرا بفنومنولوجيا هوسرل في کتابه «الوجود و الزمان» و طور غادامر هذا المنحي في کتابه الشهير «الحقيقية و المنهج».13 الهرمنوطيقيا الفلسفية تنفي وجود مفهوم محدد للنص يقصده المؤلف، بل النص هو کيان لغوي مستقل عن المؤلف و يتحمل عدد لا نهاية من التفاسير و التفسير هو عملية جدلية يشترک فيه النص و القارئ للنص معا. اثارت نتائج الهرمنوطيقيا الفلسفية ردود فعل واسعة من تاييد و تطوير الفکرة عند فلاسفة آخرين نحو «بول ريکور» و «رولان بارت» و من نقد و اعتراض نحو «اريک هرش» و «امليو بتي». فاصبح الهرمنوطيقيا اليوم، احد الفروع الفلسفية الهامة و تلاقي مع اختصاصات اخری کعلم الدلالات و علم المعني و غير ذلک.14

تمهيد منهجي

عادة يقسم العلوم الی درجة اولی و ثانية. الاول ما يدرس ظاهرة واقعية خارج من الذهن ککثير من العلوم و المعارف نحو: الفيزياء و الکيمياء و الفلسفة و علم الاجتماع و .. و الثاني ما يدرس ظاهرة ذهنية نحو الفلسفات المضافة الی العلوم نحو: فلسفة علم التاريخ، فلسفة علم الاخلاق و .. الهرمنوطيقيا ايضا من النوع الثاني فانها تهتم بدراسة ظاهرة الفهم و هي ظاهرة ذهنية لا وجود لها خارج عالم الذهن.15
نشأت العلوم الدرجة الثانية منذ فترة قريبة و بالتحديد بعد دراسات کانط النقدية، فکانت نقطة انطلاق للبحث و التفکر في الفهم من منظور فلسفي. فرّق کانط بين الشئ و الظاهرة، فالشئ هو الشئ في نفسه و الظاهرة هي ما تبدو من الشئ في الذهن. هذا الفصل المعرفي سبب تحول کبير في الدراسات الفلسفية مما اثر في الانتقال من الانطولوجيا الی الهرمنوطيقيا. عرف هذا الانتقال الجذري بالحدث الهرمنوطيقي.
علم التفسير ايضا بعد حدوث الحدث الهرمنوطيقي اصبح موضوع اهتمام الدراسات الفلسفية بوصفه ظاهرة ذهنية يجب ان تدرس و تعرف کاي ظاهرة واقعية او ذهنية اخری. لهذا نری ان المفسرين ما کانوا يهتمون بمقدمات التفسير، فعندما نراجع التفاسير التقليدية کلها نری بان المفسر يدخل مباشرة في عملية تفسير النص دون ان يري نفسه ملزما بتحديد منهجه في التفسير و رؤيته تجاه النص و آلياته و ادواته في التفسير و غير ذلک .. المقدمات الموجودة في بعض هذه التفاسير ايضا لم تکن مرتبطة بفهم التفسير نفسه و تحديد خصوصياته، بل کان اکثرها مقدمات کلامية او تاريخية لا دخل لها مباشرة في عملية التفسير و يمکن الاستغناء عنها.
محمد باقر الصدر من المفسرين النوادر الذين عرفوا ضرورة البحث في التفسير نفسه قبل القيام به. فالقسم الاهم من «المدرسة القرآنية» هو ما يهتم بدراسة التفسير نفسه و رؤية المؤلف للنص و طريقته الخاصة في التفسير و نقاط الاختلاف بينه و المفسرين الآخرين. اضافة الی ذلک، باستطاعة المتابع لمؤلفات الصدر ان يشاهد کثير من المباحث المتعلقة بدراسة و تحليل ظاهرة الفهم و خاصة فهم النصوص الدينية في «اقتصادنا» و «فلسفتنا» و کتبه الاصولية.

جدلية النص و السؤال

محمد باقر الصدر يفصل بين اتجاهين في التفسير: الاتجاه الترتيبي او التجزيئي التقليدي من جانب و الاتجاه التوحيدي او الموضوعي الذي يطرحه و يتبناه هو. ثم يطرح فوارق عديدة بين الاتجاهين ما يبين لنا ان الفرق بينهما ليس فرقا شکليا کما نراه في ما هو متعارف عليه في التفسير الترتيبي و الموضوعي المصطلح. و لهذا يؤکد الصدر علی ان التفسير الموضوعي المتعارف ليس هو الا اعادة صياغة و ترتيب للتفسير التجزيئي و الترتيبي لان منهجية التفسير في کلتا الحالتين واحدة و المفسر في الحالتين يواجه النص مباشرة و يفسره تجزيئيا و بعد ذلک في التفسير الموضوعي يرفق الآيات المرتبطة موضوعيا.
الفارق الجوهري بين ما يطرحه الصدر و المنهج التقليدي المتعارف هو ان المفسر – خلافا لما هو المعروف – لا يصح له ان يتداول فهم القرآن بدون خلفية ذهنية تحدد له رؤية عامة و مقاربة منهجيه لتعاطيه النص. فاذا لم يقوم المفسر بتحديد الخلفية الذهنية المناسبة فسيتخبط في فهم النص و لا يستطيع ان يصل الی نظرية واضحة من خلال عملية التفسير و سيکون دوره في فهم النص دورا سلبيا مستمعا بحتا لا يستطيع ان يقوم بعملية تحليل و نقد حقيقي. و لکن اليس هذا نوع من التفسير بالرأي بامتياز؟ يوضح لنا الصدر ان التفسير بالرأي هو يعني تحميل و تطبيق نظريات جاهزة علی النص القرآني و لکن ما يعتقده هو يعني عرض نظريات و رؤي علی القرآن لنسأل من خلالها موقف القرآن تجاهها و نحدد مقاربة معينة للاقتراب الی النص و تحريکه للوصول الی نظرية معينة. هذا هو ما يسميه محمد باقر الصدر بجدلية النص و السؤال:
«المفسر التوحيدي والموضوعي فانه لا يبدأ عمله من النص بل من واقع الحياة يركز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية ويستوعب ما اثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من مشاكل وما قدمه الفكر الإنساني من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ومن نقاط فراغ ثم يأخذ النص القرآني، لا ليتخذ من نفسه بالنسبة إلى النص دور المستمع والمسجل فحسب، بل ليطرح بين يدي النص موضوعا جاهزا مشرباً بعدد كبير من الأفكار والمواقف البشرية ويبدأ مع النص القرآني حواراً سؤال وجواب، المفسر يسأل والقرآن يجيب»16
نعم المفسر يسأل و النص يجيب و هذا ما يجعل المفسر متفکرا و متدبرا في النص و ليس مستمعا و کانه جالسا في مجلس وعظ اقيم لعوام الناس. فانه يقوم بالمقارنة و المقارنة هي اول مرحلة للنقد و لتطوير الفهم و ارتقائه من مرحلة الفهم العام.
«المفسر على ضوء الحصيلة التي استطاع ان يجمعها من خلال التجارب البشرية … ثم ينفصل عن هذه الحصيلة ليأتي ويجلس بين يدي القرآن الكريم لا يجلس ساكتاً ليستمع فقط بل يجلس محاوراً، يجلس سائلاً ومستفهماً ومتدبراً فيبدأ مع النص القرآني حواراً حول هذا الموضوع، وهو يستهدف من ذلك ان يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح والنظرية التي بإمكانه أن يستلهمها من النص، من خلال مقارنة هذا النص بما استوعبه الباحث عن الموضوع من أفكار واتجاهات… ومن هنا أيضاً كانت عملية التفسير الموضوعي عملية حوار مع القرآن الكريم واستنطاق له، وليست مجرد استجابة سلبية بل استجابة فعالة وتوظيفا هادفا للنص القرآني في سبيل الكشف عن حقيقة من حقائق الحياة الكبرى.»17
اقتبس الصدر مصطلح الاستنطاق من کلام الامام علی (ع) في رواية معروفة يقول فيه بان النص القرآني ساکت لا يبين مراده بنفسه بل يجب علی القارئ المتدبر ان يستنطقه و هذا هو ما يقوم به الامام بوصفه قرآنا ناطقا.
«قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وهو يتحدث عن القرآن الكريم (ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق ولكن أخبركم عنه ..18) التعبير بالاستنطاق الذي جاء في كلام ابن القرآن ـ عليه السلام ـ أروع تعبير عن عملية التفسير الموضوعي بوصفها حواراً مع القرآن الكريم وطرحا للمشاكل الموضوعية عليه بقصد الحصول على الإجابة القرآنية عليها.»19
اذن نظرية محمد باقر الصدر في فهم النص تجعل النص کائنا ديناميکيا يتفاعل مع المفسر حسب خلفياته المعرفية و کلما تطورت المعرفة البشرية ستتطور عملية التفسير و نستطيع الحصول علی مستوي جديد من فهم النص. من هذا المنظور نجد مقاربة بين هذه النظرية و نظرية مدرسة الهرمنوطيقيا الفلسفية رغم وجود فوارق بينهما في ابعادها الاخري. فاصحاب هذه المدرسة و في مقدمتهم هايدغر و غادامر يعتقدون بانه لا مناص من القبليات و الخلفيات في عملية فهم النص و ان اي عملية تفسيرية لا بد و ان يسبقها وجود هذه القبليات و في الحقيقة بدون وجودها لا يمکن الحصول علی اي مستوي من الفهم لان الفهم هو في الحقيقة عملية امتزاج بين افق النص و افق المفسر. اذن کل تفسير ينشأ لا محالة ضمن جدلية النص و المفسر و ليس کما کان يعتقد الصدر بان التفسير التجزيئي يواجه النص مواجهة سلبية و المفسر يستمع للنص و لا يقوم باي دور ايجابي. فهذا محال لا يحدث ابدا و لکن الميزة الاساسية لمنهج محمد باقر الصدر هو انه يعترف بوجود خلفية مؤثرة في التفسير و يسعي لتنظيمها و تعديلها و توجيهها ايجابيا في عملية التفسير، خلافا لمن لا يلاحظها فتؤثر في فهمه من حيث لا يشعر و سيکون التاثير في کثير من الاحيان تاثيرا سلبيا.

نظرية الفهم

رغم ان الصدر يتفق مع اصحاب مدرسة الهرمنوطيقيا الفلسفية في وجود قبليبة لعملية الفهم و لکن هو يختلف جوهريا معهم في انه يعتقد بوجود مراد محدد لمؤلف النص و عملية التفسير هي ليست الا محاولة للاقتراب منه و معرفته اکثر من السابق. و اما الهرمنوطيقيا الفلسفية تعتقد بموت المؤلف بمجرد ان ينتهي من التاليف فلا يوجد مرادا ثابتا له يجب علی القارئ اکتشافه. النص هو مستقل بذاته يتحمل معاني عديدة و القارئ يحصل علی احد هذه المعاني حسب الترکيبة التي يقوم بها علی اساس المزج الحاصل بين افق تفکيره و افق النص نفسه.20
اذن يبحث الصدر عن مراد لمؤلف النص و من هنا يقترب هو الی شلايرماخر الذي يعتقد بوجود مراد محدد لمؤلف النص و يحاول اعطاء نظرية للفهم الصحيح و معرفة الآفات التي تظهر خلاله و تعيق المفسر عن الوصول الی المراد الحقيقي. فما هي نظرية الصدر في مجال الفهم و کيف يتم الحصول علی الفهم الصحيح و کيف نعرف و نجتنب العوائق الحادثة؟
الجهد الاکبر لمحمد باقر الصدر في هذا الموضوع يبتني علی مقاربة اصولية في قسم مباحث الالفاظ. ينظر محمد باقر الصدر الی مسألة الفهم و يحاول حل الاشکالية الموجودة فيه عبر قاعدة حجية الظهور. اتفق الاصوليون قديما و حديثا علی حجية الظهور و يعنون به: «ان الاصل في تفسير الدليل اللفظي هو ظهوره في المدلول اللغوي الاقرب»21
يستخدم محمد باقر الصدر المنهج الارسطي لتحليل ظاهرة الظهور و اثبات حجيتها. فيقول بان الظهور يتشکل من ثلاث دلالات: الدلالة التصورية التي تنشأ بمجرد سماع الکلام و الدلالة التصديقية الاستعمالية التي تنشأ من ارادة الاستعمال من القائل الذي يقصد منها معناها و الدلالة التصديقية الجدية التي تنشأ من الارادة الجدية من القائل الذي يطلب ترتيب الاثر علی ما قاله. فالمقصود من اصالة الظهور هو تطابق هذه الدلالات و يحصل هذا التطابق عادة في کلام العقلاء الا ان يقدم لنا قرينة تصرف الکلام عما هو المفهوم في حالة التطابق.22
بعد ما يقرر الصدر حجية الظهور يفصل بين نوعين من الظهور و هو الظهور الموضوعي و الذاتي و هذا قريب جدا من التفکيک المعرفي بين الجانب الفاعلي (Subject) و الفعلي (Object). هذا التقسيم يهدف الی حل مسئلة تعدد القرائات و التفاسير من نص واحد فالظهور الحجة عند الصدر هو الظهور الموضوعي اي ما يحدث لعامة الناس و اما الظهور الشاذ الذي يحدث لشخص معين فقط دون سائر الناس فهو ليس بحجة لانه نشأ متاثرا باسباب ذاتية نابعة من المفسر نفسه و لا صلة بها مع النص و قائله.23
بعد هذه المرحلة يتناول الصدر موضوع کيفية احراز الظهور الموضوعي فيلتجأ الی سيرة العقلاء، فالمعني الذي قصده مؤلف او قائل النص هو ما يفهمه منه العقلاء. و هنا يستخدم قاعدة حساب الاحتمالات في منطق الاستقراء ليوضح بان ما يفهمه عامة العقلاء من النص فهو المعني الذي قصده مؤلف او قائل النص. و في النهاية يتوجه لحل مشکلة تحول و تطور اللغة، فلغة فترة الصدور اختلفت و تغيرت کثيرا. هنا يستمد الصدر من قاعدة اصالة عدم النقل لاثبات ان الاصل هو عدم التغير و اثبات التغير بحاجة الی دليل.24
اذن يعتقد الصدر بان للنص معني محددا قصده المؤلف و بامکان المفسر الحصول عليه. و اما مسألة اختلاف القرائات يعتقد بانها تنشأ من العوائق للفهم و لهذا يحاول تاسيس ضوابط لمنهج الفهم تحمي المفسر من سوء الفهم و قد لخصها في اربعة عناوين رئيسية:
1. تبرير الواقع و هو اسقاط الواقع علی النص و استخدامه لتبرير الحالة التي يعيش فيها المفسر.
2. دمج النص ضمن اطار خاص و هو تحجير النص ضمن حدود رؤي و مدارس غير قرآنية تحمل نظرتها علی النص و تلزم المفسر بفهم محدد من النص.
3. اتخاذ موقف مسبق تجاه النص ککثير من المواقف المذهبية عند اصحاب التفاسير فکل مفسر عادة يفهم النص بشکل يدعم معتقداته الکلامية و الفقهية و غير ذلک.
4. تجريد النص من ظروفه و شروطه و سياقاته التاريخية و الاجتماعية و غير ذلک.25

الاستنتاج

نستطيع ان نلخص نظرية الفهم عند الصدر بان للنص معنی محددا قصده المؤلف و بامکان المفسر الاقتراب منه و الحصول علی جزء منه باستخدام الآليات المنهجية في علم الاصول و من الواجب علی المفسر ان يلاحظ موارد الوقوع في الخطأ ليجتنبها. رغم ذلک، يعترف الصدر بتاثير القبليات في عملية التفسير بل يراه من الضروري للوصول الی مستوی اعلی من الفهم. فالتفسير من وجهة نظره عملية حوار بين المفسر و النص و المفسر يقوم بدور ايجابي و مهما تطورت معارف و علوم المفسر باستطاعته الوصول الی مستوی جديد من فهم النص. اذن هو يعترف بدائرة – و لو انها محدودة – من القرائات المعتبرة و ليس هناک فهما نهائيا لا يمکن تطويره مهما کان المفسر و مهما کانت مقاربته التفسيرية. فالتفسير الصحيح ليس تفسيرا واحدا لا يقبل التعدد ابدا بل هو دائرة متقاربة من التفاسير و التفسير المرفوض هو ما لا يحصل علی اي دعم في مستوی الظهور و من الواضح ان الکثير من التفاسير المختلفة لا ينشأ تناقضها من ان بعضها يستند الی الظهور و البعض الآخر لا يستند؛ بل بامکان معلومة ان تغير مسار الظهور و تخلق ظهورا مختلف مقارنة بالحالة التي لم تدخل تلک المعلومة في عملية الفهم و التفسير.

1 للمزید من الاطلاع انظر: شرح الاشارات، 2/314؛ المباحث المشرقیة، مکتبة الاسدي، طهران، 1/321 – 322؛ الاسفار، داراحیاء التراث العربي، 1981م، بيروت، 3/278 – 279.
2 راجع: نهایة الحکمة، 293.
3 راجع: الاسفار، 4/512.
4 للمزید من الاطلاع راجع: العلامة: تحلیل المفهوم و تاریخه، امبرتو ایکو، ترجمه: سعید بنکراد، المرکز الثقافي الغربي، مقدمة المترجم.
5 Athority
6 Sacred

7 Encyclopedia of Religion: SCRIPTUER.
8 Encyclopedia of Religion: HERMENUTICS.
9 Ibid.
10 J. C. Donn Hawer
11 Hermeneutica Sacra Sive Methodus Exponendarum Sacrum Litterarum
12 Encyclopedia of Religion: HERMENUTICS.
13 Ibid.
14 Ibid.
15 للمزید من الاطلاع انظر: الهندسة المعرفیة للکلام الجدید.
16 المدرسة القرآنیة، المحاظرة الاولی: التفسیر التجزیئي و التفسیر التوحيدي.
17 نفس المصدر.
18 الکافي للکليني، دارالکتب الاسلامية، بدون تاريخ، طهران، 1/61، باب: الرد الی الکتاب و السنة.
19 المدرسة القرآنیة، المحاظرة الاولی: التفسیر التجزیئي و التفسیر التوحيدي.
20 Truth and Method, Hans Georg Gadamer, 1994, New York, PP 360 – 388.
21 المعالم الجديدة، مکتبة النجاح، 1975م، طهران، 142.
22 دروس في علم الاصول، دارالکتاب اللبناني، 1986م، بيروت، 1/88 – 89.
23 دروس في علم الاصول، 2/165 – 166.
24 دروس في علم الاصول، 2/167.
25 اقتصادنا، مکتب الاعلام الاسلامي، 1425، قم، 384 – 392

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *