التراجيديا و ضرورتها في حياة البشر

يحتفل هذه الايام المسلمون الشيعة بذکری مقتل الحسين و اهل بيته في کربلاء قبل نحو الف و ثلاثمائة و خمسين سنة. عادة ما تواجه الشيعة باعتراضات لاحياء هذا الذکری و اقامة مراسيم و مجالس عزاء. فيقال لماذا هذا الاهتمام بقضية مرت عليه الدهور و نحن نعيش في ظروف جديدة و هناک فجائع کثيرة نراها في حياتنا اليومية فلماذا کل هذا الحماس و الاهتمام؟!
هناک حقول کثيرة في الدراسات الانسانية مهمتمة بهذه الظاهرة. علم النفس الاجتماعي يدرس الوظائف النفسية و الاجتماعية لظاهرة احياء التعازي و آثارها في تحکيم البنية الاجتماعية و القومية و الدينية خاصة عند الاقليات في بيئة مناهضة و مخالفة لها. السيميوطيقيا تدرس مداليل الرموز و الطقوس المستخدمة في هذه المراسيم. الميثولوجيا تهتم بالاساطير التي تظهر في تاريخ التراجيديا و تطورها عبر التاريخ. الآرکولوجيا في ضمن بحثها عن الحياة الاجتماعية للاقوام الماضية تدرس کيفية اقامة التعازي لموتاهم و الطقوس المستخدمة في مراسيم التراجيديا. و هکذا قلّما نشاهد فرعا من فروع العلوم الاجتماعية و هي غير مهتمة بموضوع التراجيديا و مکانتها في الحياة الاجتماعية.
الانسان منذ بدء التاريخ کان يمارس التراجيديا و يقيم التعازي لاحبائه و ابطاله. فاجدادنا البابليون کانوا يقيمون مراسيم العزاء لآلهتهم کما ترويه لنا ملحمة جلجامش و الايرانيون القدامي کانوا يقيمون مراسيم العزاء لبطلهم القومي سياوش و اليونان کانوا مهتمون بالتراجيديا کاسلوب فني و کانوا يمارسونه في حفلاتهم و اجتماعاتهم العامة و تحدث لنا ارسطو عن هذه المراسيم في کتابه المعروف ب «البوطيقا» المترجم باللغة العربية ب «فن الشعر» و المسيحيون يقيمون العزاء لصلب و مقتل السيد المسيح سنويا و هکذا کل قوم يهتم بالتراجيديا في حياته الاجتماعية و الفردية.
الانسان في ممارسته التراجيديا يجدد معرفته بنفسه و يطورها. التراجيديا هي محاکاة لواقع الحياة کما عرفها لنا ارسطو. التراجيديا ليست رجوعا الي التاريخ المقبور بل هو محاولة لاحضار التاريخ و استخدامه في حاضر الحياة. الانسان بحاجة ماسة للتاکيد علي هويته و استمراريته عبر التاريخ و يحصل علي هذا عبر ممارسة التراجيديا التي تکرس فيه هويته الدينيه و القوميه و الاجتماعيه و ميزاته و مفارقته عن الاقوام الاخری.
الانسان عبر ممارسة التراجيديا يتخلص من العقد النفسية التي تجتمع بين فترة و فترة في داخل الانسان و يحولها الي طاقة هائلة لاستمرار الحياة و تنشيطها. ذکری الابطال تجعلنا علی اتصال بشخصيات استثنائية کانت تتمتع بطاقات غير متعارفة فنستمد منها القوة و الحيوية لمواجهة مشکل الحياة و صعوباتها.
التراجيديا تتطور عبر ممارستها فتتراکم و تتوسع و تتناسب مع متطلبات الحياة العصرية. فالانسان يحصل علي فهم جديد لها في کل ممارسة و هي متجذرة في البنية التحتية في الفرد و المجتمع. التراجيديا تقدم فهما جديدا للحياة و الانسان و المجتمع و الدين و الطبيعة و تخلق بيئة واسعة للتحول و التنوع في ساحات الحياة فهي قابلة للتاويل اکثر من مرة. التراجيديا تعتبر احد اسباب الاتصال بين افراد المجتمع و ايجاد هوية مشترکة بينهم عبر اقامة الطقوس الجماعية و استخدام الرموز الخاصة بها.
کل هذا لا يعني عدم وجود آفات و نقاط ضعف في اقامة مراسيم العزاء الشيعية فهذه المراسيم کبديلاتها في المجتمعات الاخری و ايضا ککل ممارسة اجتماعية اخری يمکن ان يحدث فيها اشکالات. بل المقصود هو المحاولة لاحداث مقاربة علمية لفهم هذه الظاهرة و دراستها کاي ظاهرة بشرية اخری و ثم المحاولة لتطويرها و التخلص من سلبياتها و تقوية ايجابياتها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *