هل يعترف المسلمون بالسيد المسيح حقيقة؟

قرأت قبل ايام مقالا في الشرق الاوسط انتقد فيه الکاتب کبير اساقفة بريطانيا لدعوته المسلمين التعرف علی الثقافة المسيحية. فحاول الکاتب ان يثبت لخصمه ان الايمان بالمسيح جزء من الايمان الاسلامي و ان ذکر عيسی مذکور في القرآن و السنة و .. اوافق الکاتب في کل هذا و لکن هناک خلط معرفي و منهجي يرتکبه عادة الکتاب الاسلاميين في التطرق لهکذا موضوعات فلا يفرقون بين مفهومين للاسلام: الاسلام بمعنی النص المقدس و الاسلام بمعنی التراث و الثقافة و الحضارة الاسلامية التي ظهرت و تطورت عبر التاريخ. فهناک نقاط افتراق کثيرة تشاهد بين ما يراه النص و بين ما هو موجود في واقع المجتمع الاسلامي.
صحيح ان للسيد المسيح مکانة مميزة في النص المقدس الاسلامي فقد ذکر اسمه 34 مرة في القرآن و اعتبر الايمان به جزء من الايمان الاسلامي و لم ينسب اليه اي خطيئة او ترک اولی کما نسبت الی بعض الانبياء الآخرين و اعتبره القرآن بشارة و روحا من الله و کلمته التي القاها الی مريم و ان الله قد ايده بروح القدس و جعله مبارکا و سمی امه مريم صديقة و خصص سورة لها في القرآن. هذا کله موجود في القرآن بل اکثر منه فيه و في السنة ايضا و لکن هل للسيد المسيح حضور في واقع الاسلامي؟
احتفل الامس المسيحيون في انحاء العالم بعيد ميلاد السيد المسيح. ليس هناک من لا يعلم ان المسلمون ايضا يعترفون بنبوة المسيح بوصفه احد انبياء اولوالعزم و لکن لماذا لا يحتفل المسلمون بعيد ميلاد هذا النبي العظيم مع اخوانهم النصاری. هل هذا يعني ان المسلمين ترکوا عيسی للمسيحين و اکتفوا بمحمد لهم و الا يری المسلمون رسالة المسيح موجه لهم ايضا بوصفهم مؤمنون به و بالانبياء الآخرين.
هل نخصص وقتا لقرائة الاناجيل بوصفها کتابات تعکس شيئا من رسالة المسيح؟ و هل نتطلع لمعرفة قيم هذا النبي العظيم و تطبيق هذه القيم في حياتنا الفردية و الاجتماعية؟ عادة يجاب علی هذه الاعتراضات بان الانجيل الموجود حاليا هو محرف و لا يجوز قرائتها و لا تمثل الانجيل الحقيقي الذي نزل علی نبينا محمد. و لکن هل القرآن حقيقة يری ان الاناجيل محرفة کاملة؟
لا يوجد هناک اي آية في القرآن تری ان التورات و الانجيل الموجود بيد اهل الکتاب المعاصرين للاسلام محرفة تماما. بل علی عکس ذلک يعبر القرآن عن الکتب السماوية الموجودة بيد اهل الکتاب المعاصرين له تأييدا و تصديقا له: «و انزلنا اليک الکتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الکتاب». فهل من المعقول ان یری القرآن سند تأييده و دليل اثبات حجيته محرفا تماما لا يمثل وحی الله؟! او ان التحريف قد شمل اجزاء محددة من تلک الکتب و يری القرآن نفسه مصححا لتلک الاخطاء الجزئية و مفصلا لاحکام جاءت مختصرة في تلک الشرائع السابقة.
فما هو الضير في الاحتفال بميلاد المسيح و المحاولة للتعرف علی رسالته السماوية و تطبيق القيم الاخلاقية و الروحية التي نادی بها عبر الاناجيل؟ فلا ننسی ان القرآن دعا اهل الکتاب للالتفاف مع المسلمين حول محور الاهداف و المعتقدات المشترکة بینهم. و هذه الدعوة موجهة نحو المسلمين اولا فلماذا لم يحاول المسلمين استخدام عيد ميلاد السيد المسيح کنقطة مشترکة بينهم و المسيحيين لايجاد محور تقارب حقيقي تجاه الاخطار و الازمات التي تهدد کلتا الديانات.
من سمع خطاب البابا في الامس من المسلمين لم يمکث و يعترف باهمية الموضوعات و المحاور التي تطرق اليها في خطابه من الازمات الروحية و الاخلاقية في العصر الحالي و تهديد الدين بسبب الانتشار المفرط للعلمانية و الاستخدام المفرط لثروات الارض و نهبها و غير ذلک من الامور المتفق عليها بين المسلمين و المسيحيين. فلماذا لا نستثمر عيد ميلاد المسيح لايجاد محاور للعمل المشترک بين الديانتين العالميتين من مناهضة الحروب و العنف و الازمات الاخلاقية و الروحية و انتشار المحبة و السلام بين ابناء البشر؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *