حرکة التطور و النموّ في العراق: النموذج الکوردي

سافرت مرات عديدة الی کوردستان العراق في السنوات الثلاث الاخيرة للحضور في مؤتمرات مختلفة و کل مرة شاهدت ما کان يثير اعجابي من التطور و النموّ و التغيير نحو الاحسن. يبدو ان الشعب الکوردي قد قرر مصيره نحو تغيير نمط حياته من مجتمع منعزل و متخلف ککثير من شعوب المنطقة الی شعب متحضر يتطلع نحو الاحسن فالاحسن. التجربة الکوردية رغم انها في ابتداء حرکتها و لکنها تجربة تستحق التأمل و الدراسة حقيقتا.
حرکة التنمية في کوردستان العراق حرکة شاملة تشمل جميع اقطار و عناصر الحياة و ليست منحصرة علی التطور الاقتصادي فحسب کما نراه احيانا في بعض البلدان المتوجهة نحو التطور و النمو. فالتنمية ليست تغيير نمط الحياة المعيشية و الاقتصادية فحسب بل هي تتطلب جهود اکبر بکثير من ذلک. التنمية هي تطوير نمط الحياة الانساني بجميع حذافيره الوجودية و الاجتماعية و الثقافية و العلمية و غير ذلک. من الخطأ جدا ان نتصور ان التطور الاقتصادي هو طريق التطلع نحو التنمية في بلداننا. لا اريد ان انفي اهمية و ضرورة التطور الاقتصادي و لکن اريد ان اشير الی حقيقة هامة في علم التنمية البشرية.
ان النمو الاقتصادي بدون وجود استراتيجيا شاملة لتنمية الانسان و المجتمع هو کاحداث مدينة صناعية متطورة علی قمة البرکان فهذا الجهد الکبير مستعد للانفجار و الفناء في کل لحظة. فيجب ان تشمل التنمية علی الابعاد الاجتماعية و السياسية و الثقافية و الدينية و کل ما يرتبط بنحو من الانحاء بالانسان. فالتنمية الشاملة تتطلع نحو تطوير الانسان في کل ابعاد حياته يوما بعد يوم. لا يمکن تجزئة الحياة البشرية و تطوير بعض ابعادها و حفظ البعض الآخر کما کان في عصوره القديمة.
لا اريد الترغيب للانغماس في العولمة و نسيان خصوصيات الشعوب القومية بل يجب ايجاد توازن و تناسق بين ما هو عالمي و ما هو قومي. فهذا يتطلب ايجاد بعض التغييرات في الخصوصيات لکي تتمکن ان تتعايش مع العالميات. فلا نريد ان نکون کالدايناصورات التي لم تتمکن من تنسيق نمط حياتها مع المستجدات في عصر الثلج فانقرضت تماما و لا يبقی منها الا عظاما نخرة. و لکن کان هناک نماذج أخری من الحيوانات استطاعت ان تتوالم مع الحياة الجديدة آنذاک فتحولت و تغيرت و ضمنت استمرار نسلها علی الکرة الارضية الی حين.
ما رأیته في کوردستان العراق هو تطوير الانسان الکوردي بکل ابعاده و هذا يستحق الاعجاب و التحسين. فهناک حرکة اعمار مکثفة في کل القطاعات المدنية و الصناعية و التجارية. فحينما تدور في انحاء مدينة اربيل او السليمانية فتری المدينة کلها مشغولة بالبناء و الاعمار من الشوارع و الجسور و البيوت و الشقق السکنية و المصانع و المعامل و الجامعات و المعاهد و غير ذلک. فعند ما تسافر الی المدينتين بين حين و حين تری تغييرا واضحا في خريطة المدينة و مناطقها و احياءها.
الحکومة الکوردية فتحت ابواب کوردستان امام کل الاستثمارات و استطاعت ان تجلب الکثير من رأس المال و الطاقات الاجنبية الی مناطقها فهناک شرکات عديدة عربية و خليجية و غربية و شرقية تعمل في کوردستان في قطاعات مختلفة و لا يوجد اي تحريض عليها او اي منع تجاهها.
الکورد مهتمون بتطوير التعليم العالي بشکل خاص. سمعت عبارة من احد المسئولين في وزارة التعليم العالي ادهشتني و اثارت اعجابي. کان يتحدث مع مستثمر اردني في قطاع التعليم العالي لترغيبه في مشروع احداث جامعة اهلية في کوردستان فقال له ضمن کلامه: نريد ان يکون لنا جامعة في کل حي و منطقة من مناطق کوردستان. و تحدث الوزير د. ادريس في جلسة اختتام مؤتمر التعليم العالي عن دعم الوزارة لکل مشاريع التعليم الاهلي في کوردستان و قال نريد ان نکون مرکزا لاستقطاب الطلاب من البلدان المجاورة فهناک فرص متاحة امام الجميع لاحداث مشاريع في هذا المجال. و رأيت الشباب الکوردي ایضا مهتم بالدراسات العليا و يبحث عن اي فرصة متاحة امامه لتطوير خبراته و اختصاصاته.
الشعب الکوردي يتطلع نحو الانفتاح علی العالم بأسره. فهناک تطور واضح في مجال الواصلات المعلوماتية فالشبکة المعلوماتية منتشرة في جميع الانحاء و هناک تطور واضح في مجال تحسين و توسيع التصال بالاينترنت. و ايضا هناک محاولات واسعة النطاق للاتصال بجميع بلدان العالم عربيا و اسلاميا و اقليميا و عالميا و لا يوجد اي حاجز او رادع تجاه ايجاد علاقات بناءة مع الجميع.
يعيش في کوردستان العراق ديانات و قوميات عديدة متنعمة بالحريات الدينية و الاجتماعية فهناک الکلدوآشوريين و اليزيديين و غيرهم و ايضا فتحت کوردستان ارحابها تجاه الاقليات الدينية الهاربة من مرکز و جنوب العراق من الصابئة و المسيحيين و غيرهم. و لم يسجل اي حادث طائفي او عنف ديني تجاه الاقليات في السنوات الاخيرة.
الشعب الکوردي تعلم الکثير من تجارب ماضيه المرير و التجارب الاقليمية ايضا. فترک الآيدئولوجيات السوداء التي دمرت حياته و حياة الشعب العراقي باسره في الماضي. و فصل الدين عن السياسة لکي تتمتع اصحاب کل الديانات بحرياتها و تبقی السياسة بيد اصحابها من الاخصائيين في المجالات المتعلقة بالحکم. و ترک العنف کوسيلة لحل المشاکل العالقة بین انفسهم من جهة و بينهم و الدول المجاورة من جهة اخری فتدرب ان يستخدم الحوار و الديبلوماسية للحصول علی متطلباته و اهدافه. و تعلم ان يکون منعصفا يتقدم حينا و یتراجع حينا آخرا و لا يکون کيانا متصلبا يتفطر و ينهدم امام الضغوط الواردة عليه. فتراجع من الکثير من احلامه و حصل في المقابل علی الکثير منها ايضا و هذا هو علامة النضوج و الحنکة.
و لکن يبقی السؤال: لماذا لا نشاهد ما هو حادث في کوردستان و لو القليل منه في المناطق الآمنة الأخری في العراق. الا تستحق التجربة الکوردستانية الدراسة و الاحتذاء بها في مناطق الجنوب و المنطقة الغربية التي تنعمت بالاستقرار اخيرا. لماذا هذا الاصرار العنيد علی العراک السياسي و النزاع الطائفي و ما يسمی بالمقاومة التي لم نری منها الا الدمار و القتل و التشريد؟ و لما ذا لا نحاول استعادة سيادتنا من الطرق المتحضرة بتطوير انفسنا اقتصاديا و علميا و اجتماعيا و ثقافيا؟ لما ذا لا نتعلم من اليابان التي فقدت کل وجودها من السيادة و العزة و الهوية في الحرب العالمية الثانية و لکن شاءت ان تقوم فقامت بکل وجودها مرة اخری فتحولت بين عقود قصيرة الی قطب اقتصادي و صناعي لا يمکن تجاهله في اي موازنة سياسية في العالم و لماذا لا نتعلم من مهاتما غاندي الذي حرر الهند تلک القارة الکبری من الاستعمار البريطاني العنيف بسلم و بحکمة فها هي الهند اليوم من اکبر القوی المؤثرة اقليميا و عالميا و هي تتطلع نحو الاحسن فالحسن يوما بعد يوم.
و أخيرا و ليس آخرا اتمنی کل الخير و النجاح للتجربة الکوردية و اتمنی ان نحذو حذوهم في الجنوب و الوسط و جميع انحاء العراق فنعيش في عراق حر متطور متعايش نکون اسوة يقتدی بها و لا نکون عبرة يعتبر منها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *