الدراسات الانسانية و ضرورة تحديث الانسان في مجتمعاتنا

تحدثت في مدونتي السابقة عن ضرورة التوجه الی تطوير الدراسات الانسانية و نقص هذا المحور في مؤتمر التعليم العالي العراقي. الحقيقة ان العلوم الانسانية ليست مجرّد افکار و رؤی تُحدّث و تُنظّر و تقال و تُسمع بل انها مجموعة مرکبة من الانظمة الفاعلة في بنية و تکوين الفرد و المجتمع.
العلوم الانسانية تُطبّق في داخل الانسان فکما ان الاطباء يطبقون علومهم في جسد الانسان و المهندسون يطبقون تقنياتهم في المعامل علی المصنوعات البشرية فکذلک الانسان و المجتمع هو معمل و مختبر الباحث في العلوم الانسانية فيطبّق الافکار و النظريات في کيان الفرد و المجتمع فيصنع انسانا آخرا غير ما کان عليه اولا.
ما نراه حاليا في العراق و بلدان اخری قريبة من العراق في وضعها الثقافي و الاجتماعي فهذا اعظم دليل علی ضرورة تحديث و تطوير الانسان في تلک المجتمعات. و هذا بحاجة الی تفعيل دور الاخصائيين في حقل الدراسات الانسانية بما فيها الاسلاميات و ايضا ضرورة تحديث و تطوير تلک الدراسات تطويرا جذريا ابستمولوجيا منهجيا.
فالعراق لا يفقد معادن و موارد طبيعية و لا يعاني من مشکلات طبيعية او بيئية او عدم وجود خبرات و ليس بلد متخلّف في العلوم و الطب و التکنولوجيا. بل المشکلة الرئيسية هو في بنية الفرد و المجتمع في هذا البلد. سنوات طويلة من الاستبداد شوّهت شخصية الانسان و المجتمع العراقي فما يجب ان يُغيّر و يُطوّر هو الانسان في مثل هذه المجتمعات. تحدّث کثيرا علي الوردي العالم الاجتماعي الشهير حول الشخصية العراقية و اشکالياتها التاريخية.
معالجة هذه المشکلة لا تتم بيد اطباء و مهندسين و غيرهم من الاخصائيين بل هم من اختصاص الباحث في حقل العلوم الانسانية. فيجب ان يُطوّر هذا الانسان و يُغيّر نظرته تجاه نفسه و الآخر و تجاه الحياة باسرها و تجاه الدين و المعتقدات و التقاليد و الاعراف الدينية. و الاخير هو من اهم تلک الحقول التي يجب ان يعمل عليه الباحث في الدراسات الانسانية.
فالانسان العراقي هو متدين تاريخیا و اصبح الدين جزء من کيانه و شخصيته الفردية و الاجتماعية؛ فلا نعرف فترة من تاريخ هذه الانسان کان فارغا من اي رؤية دينية فاعلة في حياته. الحقيقة ان جزءا کبيرا من المشکلة العراقية کامنة في ما يتلقيه و يفهمه الانسان العراقي من الدين و الاسلام فاصبح الدين او ما يتلقيه من الدين احد اسباب تخلفه فالمشکلة و الحلّ کليهما کامنان و ينبعان من الدين نفسه.
اذن من الضروري جدا تشجيع الدراسات الانسانية في حقل الدين و الاسلاميات بما فيها فلسفة الدين و سايکولوجيا الدين و سوسيولوجيا الدين و الدراسات المقارنة للاديان و … . فيجب ان يقوم عدد کبير من الاخصّائيين في تلک الفروع بدراسة الدين و نموذج التدين العراقي من وجهات نظر علمية ممنهجة و ايجاد رؤی جديدة و فهم حديث للدين و اعطاء حلول علمية لاصلاح ما يجب اصلاحه و تغيير ما يجب تغييره في هذا الانسان و المجتمع و يجب ان لا ننسی ان هذا يحتاج الی عملية طويلة المدی تستغرق سنوات و عقود بل اجيال؛ و لکن يجب ان يحدث المنطلق و غدا سيفوت علينا اليوم کما فاتت علينا الايام السالفة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *